الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

عبد الكريم توفيق.. صوت الحب وسلطان الهوى

14 سبتمبر 2017 الساعة 10:00
الفنان عبدالكريم توفيق
مختار مقطري
هذا صوتٌ ساحر، رخيم.. رنّام.. شجي.. عذب.. أخّاذ، وهو حزين.. وهو جذلان.. وهو مشتاق.. وهو ينعم بالوصال.

عالمٌ واسعٌ من المفردات والتعابير الشاعرية، يفتحه أمام خيالك صوت الفنان الكبير عبدالكريم توفيق، وأنت تستمع إليه وهو يغني، أو بالأحرى يتغنى، يترنم، يتعملق، يختلج، يسكن، ينجرف مع تيار اللحن، يتصدى للتيار، تفوح منه روائح الفل والبخور والحلوى والعطر العدني والعمبا الأبيني، وحناء المكلا، يأخذك إلى مكان بعيد، لكنه ساحر، جزيرة صنعتها الأحلام للعشاق، فلم يزرها غير الأوفياء، والذائبون عشقاً، والباحثون عن حلم.. صوت قادر في جملة لحنية واحدة أن يفرح وأن يحزن، وأن يخفت وأن يصدح، وأن يقول لك: الحياة هي الحب والحب هو الحياة.

والصوت موهبة إلهية، والاهتمام به ورعايته بتوفيق من الله. وقد قّدّر الله لهذا الصوت الساحر، منذ طفولته، فنانين كباراً، تعهدوه بالتمرين المكثف، والتوجيه المستمر، فجنبوه بذلك مرحلة الخطر بضياع الصوت المعجزة عند سن البلوغ، وهذا ما حدث للبعض، للأسف الشديد، مع أن المدرسة الفنية واحدة، والأساتذة هم هم، والأعمار متساوية، مما يعني أن عبدالكريم توفيق، كان أكثر التزاماً بالتمارين والتوجيهات، وبالتالي كان له وعي فني مبكر بأهمية أن يكون مطرباً، ليسعد الناس بفنه وبصوته الساحر.

وعند الاستماع لأغانيه القديمة، وهو طفل، وما تلتها بترتيب المراحل الفنية، تلحظ أن هذا الصوت الساحر كان يزداد ثقة وتمكناً وعنفواناً، وما هو أجمل انه كان يزداد سحراً وترخيماً وعذوبة، والأجمل أنه كان يزداد عمقاً في الإحساس والشعور، شعور المطرب بالنغمة والكلمة الشاعرية، ولا يزال عبدالكريم توفيق إلى اليوم، بعد تجاوزه سن ستين عاما، قادرا على التطريب، بصوته الساحر، ولكن مع رديف آخر، هو أعمق إحساساً وأصالةً وخبرة، فينقبض وجهه حزناً وفرحاً، وينتفض جسده من نشوة الحالة الفنية التي تعتريه وتسيطر عليه، وكأنه في حالة سحر، والساحر صوته وأصالته وخبرته وحالات العشق التي عاشها، وتجارب الحب التي خاضها (كم يقولي الليل ياولهان توب)، ولم يتعلم منها أن يتوب، فصار هو الإنسان المحب، وصار صوته هو صوت الحب، في لحج الخضيرة، مذ كان طفلا،ً يتسلل صوته إلى القرى المحيطة بحوطة لحج المحروسة، قبل أن يدخلها، فتدين له بالولاء في الحب، وكانت أغانيه - ولاتزال - صوراً موسيقية وشعرية لمئات الحالات من العشق، في دروب القرى ومخارط الحوطة، ولكنها سافرت إلى عدن وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة، ومحافظات أخرى، ودول قريبة منا، وترجمت حالات العشق عند آلاف من البسطاء المترفين والمتعلمين والأميين والعمال والفلاحين والموظفين وأصحاب المهن والأعمال، والصبايا بنات المدارس وربات البيوت، لأن صوته طاهر لا يخدش حياءً، رغم أن معظم أغانيه عن العشق والجوى واللوعة والهيام وفرحة اللقيا وأوجاع الصد والفراق، ولكن بمعان نبيلة وصور شاعرية لتجسدات عفيفة، يرسمها كل العشاق في مخيلاتهم، وكلنا عشاق.

تسافر أغانيه إلى كل تلك المناطق، بسبب صدقها الفني، وبسبب الصوت الساحر، وبسبب قدرة عبدالكريم توفيق على أن يضيف للأغنية الواحدة نبضاتٍ من خلايا قلبه، وانغاماً سحرية من نور، يقتبسها من عشقه الأصيل للفن والحياة، وتجربة عشق لا تنتهي، وطفولة بائسة دون شك، جعلت الطفل يدفن أحزانه في الشعر والموسيقى.

وصوت عبدالكريم توفيق قادر على التغريد، كتغريد بلبل جذلان، في صباح مشرق جميل، يغرد للنور والنسيم والزهر والندى والجمال. ومنذ كنت في سنوات الثانوية العامة وإلى اليوم، إذا استمعت لأغنية (يا صباح الباكري) وتحديداً وأنا أتأهب للخروج من البيت للمدرسة زمان، أو للعمل فيما بعد، أخرج وأنا (مفتهن)، ومرتاح النفس وأشعر بالرضا، رغم التوتر في أكثر المرات، لأن صوت عبدالكريم توفيق يغرد في هذه الأغنية، ويشدو تسبيحاً صوفياً لله، بل ويخيل لي في كثير من الأحيان أن الصوت يتأمل سحر الطبيعة ويفكر، على الرغم من أن كلمات الأغنية عاطفية، لكن اللحن العبقري للفنان الكبير الراحل محمد سعد صنعاني، والأداء المتشرب للحن الجميل، والكلمات التي جمعت بين الفرح بإشراقة الصباح وبين ذكر الحبيب، جعلها أغنية صباحية بمنتهى الجمال، كلها تغريد في تغريد، للصباح وللحبيب.

وعبدالكريم توفيق، سلطان الهوى في الطرب والتطريب، فهو يغني لكي يجعلك تعيش حالة وجدانية خاصة بك، مع ذكرياتك وتاريخك مع العشق والفرح والألم والأماني والانكسارات، والسلطنة في (المخادر) كان لها سلاطينها، واليوم لا يوجد لها سلطان، لكنها سلطنة عامة ومشاعة، فإن لم تطرب في هذه الأغنية، فقد تطرب في الأغنية القادمة.. أما عبدالكريم توفيق، فهو سلطان للهوى في كل أغنية من أغانيه، بل وفي كل مقطع من أغنية.

هل أنصفنا صوت الحب وسلطان الهوى وأمير التغريد الفنان الكبير عبدالكريم توفيق؟! مازلنا مقصرين.. فهو يستحق أكثر مما هو عليه، وأكثر مما أعطيناه، ولم نعطه شيئاً، وإن شئنا مداراة تخلفنا فلنقل أعطيناه القليل، فلنستمر نعمل من أجله..، وكم هو ادعى للقول تأليف كتاب عنه وهو لايزال على قيد الحياة، ولكن ليس كتاباً تجميعياً، بل كتاباً علمياً تاريخياً، فنيا،ً ادبياً وتوثيقيا، عن لحج، من خلال الظاهرة الفنية: عبدالكريم توفيق.