الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

هزيـمـة مــواطــن

21 أكتوبر 2017 الساعة 06:00
كانت الساعة العاشرة صباحا، حين قررت خوض معركة لم يكسب فيها أحد قط من الجولة الأولى، ولكنني عزمت بإصرار على خوضها، لأنه لم يكن لي خيار سوى أن أعود إلى تلك الكهربائية التي تفقدني صوابي في كل مرة تفصل، فيخرج السمك المقلي من بين أحضانها كتونة دهسها صالون أعادها إربا، فخرجت مجهزة بكل أسلحتي التي سأحتاجها من الماء البارد والسندوتشات، ونظارة شمسية وكوفية عفى عليها الزمن، أحتمي بهما من تلك التي تعتبر الطرف الأقوى في معركة لا أعي الخصم فيها من الحليف، توقفت في آخر طابور طويل، ولكن هذا لم يستمر طويلا، حيث أنني في دقائق أصبحت في منتصف ذلك الطابور، والطريف في الأمر أنه لم يخرج واحد قط من الطابور، وما جعلني في الوسط عدد الداخلين وليس عدد الخارجين.

شعرت لبرهة أنه إذا استجاب القدر وحدثت معجزة وخرجت بدبة غاز من هذا الحشد العظيم، فسيدخل اسمي في التاريخ وسط العظماء الفاتحين، إنه خيال استدرج تفكيري وجدت به ملاذا أحتمي به من ثاني خصم أواجهه في تلك المعركة الغامض خصومها، ألا وهو ملل الانتظار، شردت بتلك التداعيات التي كانت حليفي الثاني بعد أسلحتي، أصوات التشجيع والتصفيق تتعالى من حولي (حيّا بك يا إلهام) (البيبي غاز وصل) (ممكن توقعي لي على التيشيرات) وأنا على الجبل أحي الجميع (شكرًا شكرًا لا داعي للتصفيق).

من التخيلات المجنونة التي استعمرت تفكيري وزادتني قوة وصمودا كجرعة صبر لم أفق منها إلا على صوت كاد أن يبزغ طبلة أذني قادم من أول الطابور (حرام عليكم، عيالي بالبيت بلا أكل وأنا هنا لي يومين واقف، وفي الأخير تقول لي اكتمل العدد سجل اسمك وارجع بعد أسبوع!) حينها أيقنت هزيمة لا مفر منها، وبدأت ألملم أسلحتي استعدادا للاستسلام، وأنا كذلك سمعت صوتا من خلفي (أنا أشتري الدبة الغاز من السوق السوداء بـ 7000 أحسن بدل دي البهدلة) كان رجل ثلاثيني يحدث زميلا له بالمساربة، أدركت حينها أن هذا الوضع من معارك ومساربة... إلخ لا يسري على الجميع، إنه فقط لشريحة معينة من المجتمع، فأيقنت أنه كان يتوجب عليَّ أن أتحصن بفيتامين (و، ر) وليس ماء وكوفية.

إنها معركة حقيقية، ولكن الخصم والحليف فيها هو الشعب نفسه، ياله من إحساس مميت تملكني، عدن تغيرت كثيرا فهي اليوم كرجل شمر على ساعديه يأكل بشراهة الأخضر واليابس، كيف لا ! وهو لم يرَ الخير منذ زمن بعيد، فالاحتلال الحوثي العفاشي جعل من عدن معدة فاضية تتشوق لأن تمتلئ، فرغم انتصار عدن على ذلك الاحتلال إلا أنها مازالت تعاني من آثار ذلك المرض، فكما تقول أمي (حمّى يوم تأخذ عافية سنة) وَمِمّا زاد هزيمتي ما رأيته، فقد عاد واحد تلو الآخر بدبب الغاز التي أخذها بعد معركة شرسة لأنها تسرب، ! كيف هذا !! لا أعلم فقد اكتفيت هزيمة اليوم، فلم تكن هزيمتي اليوم هزيمة مسارب، بل إنها أعمق من ذلك بكثير فهي هزيمة مواطن، تركت مقعدي في الطابور ورحلت، فهدفي لا يقتصر على دبة غاز، فأنا أريد وطنا (حتما سيعود ثغر اليمن باسما).

إلهام أبوبكر / عدن