الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الهجرة الفنية لنشر الأغنية الحضرمية أبوبكر سالم بلفقيه.. الرحيل الذي يستدعي الوفاء!

18 ديسمبر 2017 الساعة 06:00
مختار مقطري
مساء الأحد 10 ديسمبر، مات الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه، يرحمه الله، ماذا يعني وفاة فنان عملاق بحجم البلفقيه؟ هل هو مناسبة لتبادل التعازي، وكتابة المقالات عن أغانيه، وتنظيم بعض الفعاليات؟ كلا.. وفاة البلفقيه حدث تاريخي تؤرخ به الأحداث، فقد زلزل قلوب الملايين من عشاق فنه الخالد، وأحزن النفوس التي ملأها نورا وعشقا وسلاما، فإذا كتبنا لهول الفاجعة وعظمة الحدث، كانت كتاباتنا وفاء لفنان عظيم، أعطانا ما لم يعطنا الساسة وقادة العسكر، والمصلحون ودعاة الخبرة في الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وأطباء النفس وغيرهم.

البلفقيه أعطانا الحب والأمان وعشق الحياة والقدرة على الثبات والمواجهة، والثقة بقدراتنا والتصميم على النجاح، بل والنجاح الكبير، ولذلك تستلزم وفاته أن نفيه حقه بالكتابة عنه وعن فنه كتابة علمية بحثية، وليس مجرد انطباعات في مقالات تنشر في الصحف، نستعرض فيها بلاغتنا.. فأبوبكر سالم بلفقيه، كان قامة فنية حضرمية يمنية وعربية متفردة، شاعرا ومطربا ومثقفا، وشاهدا على مرحلة تاريخية ثقافية وفنية أسهم في صناعتها.

وقد كتبت عن فنانين كبار، ولكني كنت أتهيب الكتابة عن أبوبكر سالم بلفقيه، ظل هذا الفنان العظيم أكبر من قلمي، وكل ما كتبته عنه لا يرقى لأكثر من انطباعات معجب بالدور الكبير الذي أسهم به في نشر الأغنية الحضرمية واليمنية إلى دول الخليج والعالم والعالم العربي، تماما كما فعل عباقرة الغناء في مصر عندما نقلوا الأغنية المصرية منذ أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي إلى العالم العربي كله، مثل أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، على هذا النحو ينبغي أن تكون الكتابة عن البلفقيه، فهو فنان كبير ولكنه مختلف، مختلف في مشروعه الفني الكبير، وفي ثقافته الفكرية والأدبية والفنية، ولذلك يشع نورا وهو يتحدث أو وهو يغني، وقد صدرت بعض الكتب البحثية عن البلفقيه، لكنه يستحق أكثر، لا ينحصر في شاعريته وأغانيه، ولكن في المرحلة التاريخية التي أصبح فيها فنانا تاريخيا.

عاش أبوبكر سالم بلفقيه عقدي الخمسينيات والستينيات في عدن، ونجح في الإسهام بتطور الأغنية العدنية، رغم المنافسة الشديدة من كبار الفنانين في عدن، لكن نجاح أغانيه العدنية دليل على عشقه عدن وشعب عدن، وأشهرها (يا طايرة طيري على بندر عدن)، لكنه كان حينها يؤسس لمشروعه الفني الكبير (تطور وازدهار الأغنية الحضرمية) خصوصا بعد لقائه بالشاعر والملحن الكبير حسين أبوبكر المحضار، وكان هو يحمل تراثا فكريا وثقافيا وفنيا حضرميا ضخما، ولذلك داعبه الأديب والشاعر الكبير أحمد شريف الرفاعي، يرحمه الله، بالقول إن على البلفقيه أن يحدد إن كان فنانا عدنيا أم فنانا حضرميا. وكان في عدن فنانون كبار قادرين على مواصلة تنفيذ مشروع الأغنية العدنية، فهاجر في أواخر الخمسينيات إلى بيروت، وقضى فيها عامين فقط، لأن بيروت لم تكن تربة فنية خصبة لازدهار الأغنية الحضرمية، فعاد إلى عدن، وبدأ سفرياته إلى دول الخليج، ثم استقر في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، مستفيدا من بداية مرحلة الازدهار الاقتصادي والفني في دول الخليج، بعد أن أيقن من الوشائج الفنية بين الأغنية الحضرمية وجمهور الخليج، فكان إلى جانب ريادته لتطور وانتشار الأغنية الحضرمية في العالم العربي، أحد رواد تطور وانتشار الأغنية الخليجية، بما أحدثه من حراك فني.

ولاشك أن هجرته إلى بيروت، ثم إلى دول الخليج، واستقراره في مدينة جدة في السعودية، وحصوله على الجنسية السعودية، لم تكن بهدف تحصيل الرزق ولقمة العيش، كما يفعل أبناء اليمن وأبناء حضرموت خصوصا، وإنما كانت هجرة فنية لتطور وازدهار الأغنية الحضرمية، بعد أن عثر على التربة الخصبة لتنفيذ مشروعه الفني الكبير.

مات أبوبكر سالم بلفقيه، يرحمه الله، مات رفيقنا في السفر والاستقرار، في الترحال والإقامة، في أفراحنا وعذاباتنا، في انتصاراتنا وانكساراتنا، في مواويل عشقنا وجراحاتنا.. مات ولم يمت ولن يموت، بعد أن خزّن في أغانيه سعاداتنا وأحزاننا وذكرياتنا، عاش معنا في غربته، يشقى ويتألم ويكابد، ليرسل لنا أغانيه التي تمنحنا التفاؤل والمحبة.

ولعلي لست حالما إذا طالبت الجهات المختصة أن يُحتفل بيوم وفاته كل عام أو عامين أو ثلاثة أعوام، وفي كل احتفال يتم تكريم فنان أو فنانين اثنين أو ثلاثة فنانين، من فنانينا اليمنيين الخليجيين الكبار. مع أمنية بتسمية أحد أحياء مدينة عدن باسمه.