الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الخلاف الفني بين أم كلثوم ورياض السنباطي حول القفلة الأخيرة

1 يناير 2018 الساعة 06:00
أم كلثوم ورياض السنباطي
غلام علي
معلومة راقت لي واستوقفتني كثيرا، عن الإهرامات المصرية الثلاثة (رامي والسنباطي وسيدة الغناء العربي)، وما كان يدور خلف الكواليس أثناء البروفات الموسيقية، وليلة العرس الكلثومية ولقائها بالجمهور، والخاتمة (الأعجوبة) للرائعة المعجزة مجازا (الأطلال)، رائعة القرن العشرين، الخالدة إلى ما شاء الله.

وقد قرأت فيما قرأت، وأعجبت فيما أعجبت، بمقال جميل، للموسيقار، إلياس سحاب، بعنوان (من كواليس الغناء في العصر الذهبي/ شعر الأطلال من قصيدتين لا واحدة) بمجلة (الكويت) العدد 263 الصادر بتاريخ 1 سبتمبر 2005م، عن قصيدة (الأطلال)، وقد بدأ سحاب حديثه قائلا: إذا كانت إحصاءات مبيعات أشرطة الغناء العربي الكلاسيكي من تسجلات العصور الذهبية، تشير إلى أن أسطوانات وأشرطة أم كلثوم مازال لها الصدارة الإحصائية في المبيع، فإن أغنيتين تستمران منذ سنوات في التربع على عرش الأولوية في هذه الإحصائية، هما (أنت عمري) ألحان عبدالوهاب وشعر أحمد شفيق كامل، و(الأطلال) ألحان رياض السنباطي وشعر إبراهيم ناجي.

ويعتقد الكثيرون من متذوقي الغناء العربي الرفيع، أن أم كلثوم هي الوحيدة التي غنت لإبراهيم ناجي، أو أنها كانت أول من غنى له، وأن الأطلال هي القصيدة الوحيدة التي غنتها أم كلثوم من شعر ناجي.. لكن كل هذه المعلومات خاطئة ولابد من تصحيحها.

أولا: إذا كانت الأطلال هي الأغنية العاطفية الوحيدة التي أنشدتها أم كلثوم من شعر ناجي، في العام (1966)، فإن أم كلثوم غنت بعد ثلاثة أعوام قصيدة أخرى من شعر ناجي الوطني (أنشودة مصر) لحنها السنباطي أيضا.

ثانيا: لم تكن أم كلثوم الوحيدة التي غنت من شعر ناجي، كما أنها لم تكن الأولى، فقد سبقها من نجوم التلحين والغناء إلى كنوز هذا الشاعر الرومانسي الكبير، محمد عبدالوهاب، فلحن وغنى له قصيدة (القيثارة) في عام 1954: أي سر فيك أني لست أدري.

غير أن الدكتور إبراهيم ناجي بقي رغم ذلك، أقل كبار شعراء مصر الرومانسيين في القرن العشرين حظًا مع كبار الملحنين والمغنيين، فلم ينل على سبيل المثال الحظوة التي نالها زميله علي محمود طه، الذي لحن وغنى له عبدالوهاب، الجندول، كليوبترا، وفلسطين، ثم لحن من شعره أيضا قصيدة (ياحبيبي أقبل الليل).. التي غنتها المطربة نادرة، كما لحن من شعره (خمرة الراين).

ومع ذلك فإن المركز الذي تتبوأه (الأطلال) بين أرقى نماذج الغناء العربي الكلاسيكي، تعتبر تعويضا للشاعر الدكتور إبراهيم ناجي عن ندرة ما لحن الملحنون من شعره وغنى المغنون).

ثم يتناول إلياس سحاب الاختلافات بين قصيدة الأطلال في ديوان ناجي وبين الأبيات التي تغنيها أم كلثوم، مبينا مقدرة الشاعر الكبير أحمد رامي في إجراء التعديلات بناء على طلب أم كلثوم فيما تراه يصلح ولا يصلح للغناء، وأي قصيدة إنما تكتب للقراءة. الإلقاء، وبالتالي لابد من تعديل ما يراه المطرب ضروريا، مثل الكلمات الخشنة، والأبيات التي تبدو حشواً زائدا، وهذا ما كانت تفعله أم كلثوم بمعية أحمد رامي. يقول سحاب: يعرف كثيرون أن المطلع الأصلي لقصيدة الأطلال كما وردت في ديوان ناجي (ليالي القاهرة) هو (يافؤادي رحم الله الهوى).. ويبدو أن فريق أم كلثوم الأدبي الذي كان عماده الأساسي أحمد رامي وأم كلثوم، قد أثاره المعنى التفجعي، بل الجنائزي في عبارة (رحم الله) فارتأى تعديله إلى العبارة التي وردت بعد ذلك في غناء أم كلثوم (يافؤادي لا تسل أين الهوى)، غير أن ذلك لم يكن سوى أبسط التعديلات التي أجريت على قصيدة ناجي.

فإذا راجعنا النص الكامل لقصيدة الأطلال كما وردت في ديوان ناجي، فسنكتشف أن ثمانية فقط من المقاطع العشرة، التي تتكون منها أغنية الأطلال موجودة في هذه القصيدة، أما المقطعان اللذان يحملان الرقم السابع والثامن من هذه المقاطع العشرة، فلا وجود لهما في قصيدة الأطلال.. بل سنجدهما في ديوان آخر من دواوين ناجي الأربعة، هو ديوان (وراء الغمام) وفي قصيدة بعنوان (الوداع) وهما المقطع الأشهر في أغنية الأطلال الذي يبدأ بعبارة (هل رأى الحب سكارى مثلنا) والمقطع الذي يليه بعبارة (وانتبهنا بعدما زال الرحيق).

ولعل عوامل عديدة ساعدت رامي وأم كلثوم على تكوين هذا المزيج الشعري الفريد من قصيدتي (الأطلال ) و(الوداع ) لإبراهيم ناجي، منها حتما عامل البحر الشعري الموحد في القصيدتين، وهو بحر الرمل، غير أننا لم نصل بعد إلى التصرف الأشد غرابة وجرأة، الذي أدخله (رامي وأم كلثوم) على قصيدة ناجي. فقصيدة الأطلال كما نقرأها بنصها الأصلي في ديوان (ليالي القاهرة) مؤلفة من مقاطع يضم الواحد منها أربعة أبيات، أما غناء أم كلثوم فإن مقطعين فقط احتفظا بالأبيات الأربعة هما المقطع الثامن من قصيدة (الوداع) الذي يبدأ بالشطر: (وانتبهنا بعدما زال الرحيق)، والمقطع العاشر والأخير من قصيدة الأطلال نفسها الذي يبدأ بالشطر (ياحبيبي كل شيء بقضاء)، أما المقاطع الثمانية الأخرى من الأغنية، فقد تدخل فيها مقص رامي (على الأرجح) ليحولها كلها إلى مقاطع ثلاثية الأبيات.

*خلاف السنباطي وأم كلثوم

إن ما كان يميز أولئك الفنانين العمالقة، اعتدادهم بمواهبهم، وكانت تستحق الاعتداد، وحرصهم على تقديم ما هو جميل ومتميز وقادر على البقاء، لكن تمسك كل واحد منهم بأسلوبه ووجهة نظره الفنية، لم يكن يصل إلى حد الخلاف الشخصي والتعصب لمجرد التعصب وفرض الرأي، وإنما كان الخلاف أثناء إعداد عمل فني، كان هدفه الوصول إلى الأجمل، والاقتناع بوجهة النظر الأخرى اقتناعا فنيا، وليس مجاملة أو خضوعا أو جبر خاطر، وفي هذا يقول إلياس سحاب: المعروف أن قصيدة الأطلال، اكتمل تلحينها لدى السنباطي في العام 64، أي قبل أن تغنيها أم كلثوم بعامين، وحدث أن اللحن كما أبدعه السنباطي، وكما يعرفه جميع المستمعين، يتضمن قفلة درامية عند العبارة الختامية (فإن الحظ شاء)، تؤديها أم كلثوم على الدرجات الموسيقية العليا. هذه القفلة الدرامية غير المألوفة، لم تنل في البداية إعجاب أم كلثوم التي طلبت إلى السنباطي أن تكون القفلة تقليدية، أي تنحدر إلى القرار الأسفل، بدل الارتفاع إلى الجواب الأعلى.

لكن كرامة السنباطي كملحن دفعه إلى الإصرار، إلى درجة أنه حمل لحنه وعاد أدراجه، وانقطع عن التلحين لأم كلثوم لسنتين أو أكثر.

كانت تعتمد فيهما على نشاط عبدالوهاب وبليغ حمدي في تلحين أغنياتها الموسمية (فترة أنت عمري لعبدالوهاب وسيرة الحب وبعيد عنك لبليغ حمدي).

ولما تدخل الوسطاء مرة بعد مرة لرأب الصدع بين أم كلثوم والسنباطي، اقترح السنباطي أن تغني أم كلثوم اللحن كما وضعه دون تعديل، فإذا أبدى الجمهور إعجابه في الحفلة الأولى، رضخت أم كلثوم، وإذا أعرض الجمهور عن قفلة السنباطي الدرامية، فإنه يتعهد بالانقطاع عن التلحين نهائيا، في موقف يحمل جرعة كبيرة من الإحساس بالكرامة الفنية والثقة بالنفس، ويروي السنباطي أنه عند انتهاء وصلات أم كلثوم الثلاثة في الليلة الأولى للأطلال، وبعد الاستقبال الجماهيري الأسطوري للأغنية كلها، ولقفلتها النهائية بشكل خاص، قُرع باب شقة السنباطي عند الفجر، فظن أن جاره مريض، ويطلب المساعدة، لكنه فوجىء عندما فتح الباب بأم كلثوم تقول له:

"جئت لأقدم الاعتذار أولا، ثم أقدم التهاني بالنجاح الجماهيري الكاسح، وأقول لك أنك كنت محقا في التمسك بلحنك كما هو".

تلك كلها تفاصيل من كواليس المرحلة الأخيرة في عصر الغناء العربي الرفيع، بشعرائه وملحنيه.