الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

فاجعة الذاكرة

7 فبراير 2018 الساعة 06:00
الناس لا تنسى إلا بشكل مؤقت كالخبر المؤقت، فالذاكرة البشرية لا تسقط شيئا كالجرائد تماما، تقرأها لكنها لا تنسى ترميها، لكنك لا ترمي الخبر المؤثر فيها من حشاشة جوف ذاكرتك، فلابد من أشياء تظل هناك عالقة، وغالب البشر يتفقون بأن للرموش سهاما قاتلة، وكذلك هي كثير من حقائق الذاكرة.

ولو استبدل قرص الخبز النحيف بقطعة حلوى مُغرية، لن تمسح من ذاكرة الطفل جزئية التاريخ اللعين الذي رأى تفاصيلهُ أمام عينه، ولن تنساه الأيادي التي تطايرت والرؤوس التي قفزت لتعلق نفسها على أشجار بالقرب منه، لن تمسح من ذاكرته الجثث التي كانت أغلب الملامح فيها مجهولة الهوية، ولولا تلك البطاقة الصغيرة التي أرفقت بالصدفة في جيب مهترئ لما عُرفت لمن تكون.

لن تركنهُ إلى المغالطة في التوضيح والإجابة عن استفسارات التعجب وعلامة الاستغراب التي تشع من عينيه، لم يعد يشك أنه واقع كان حقا، وأن الدم الذي كان يتناثر عليه وهو مار لم يكن «فيمتو» كيفما كانت لعبة الطفولة، بل كان دماً، ذاك اللون الذي ذاب الجميع فيه في منعطف صعب خلد أثراً دفيناً.

اللون الذي يثير الأنفس ويستفزها يجعلها تثور وتثور وتثور وتشتعل ولا يهمد نارها،

يجعلنا ننصهر في ثنايا قلوبنا، يبقينا رماداً عالقاً بين زوايا الذاكرة، حجب عنا الحياة، يمنع عنا تفاصيل تورثنا حياة، لكننا عبثا لسنا هنا إذ أننا هنا، يجعلنا نهرم ونحن لا نزال في الرمق الأول من الحياة.

كيف لقطعة حلوى مغرية أن تجتاح الأفئدة التي امتلأت بالحزن الذي دفع كضريبة حب؟!

كيف لها أن ترجع الحُلم بعد نفاده؟! أنى لها من قدرة لتعيد الجنة والوطن؟!

وأنى تجبر كسر ولد بعد فقد، وتبهج روحا ماتت عند آخر نفس لأمل وقف مبتورا أنشطر وضمهُ الوهن؟!

أنى تلملم تساقط الوجع الذي هزأ بي رغم أنه هزيل فتك بالعظام القاسية؟!

أنى لأحد أن يعيد تفاصيلنا المنغمسة بنا حين طردت بالقوة منا؟! أنى لاحد أن يعاقب من اغتال الإنسان؟!

أنى لصوت من بين العابرين أن يلبي مشاعر اليُتم التي كست الأوطان؟!

جميعها لن يلقى لها جوابا يداوي الجروح التي تمركزت بدواخلنا كندوب لا تعرف الرحيل، وهذا لا يعني النهاية، ما هي إلا عراقيل سنتغلب عليها يوما إذ وجب لزاما أن نتغلب عليها، تلبية للعهد ووفاء لأنفسنا المنصرمة على عتبات الوجع العذب، تاركين تحت أحذيتنا كل تلك الترهات التي تحرمنا الدفء الكافي، لأن نصنع الحب الزاهد للوطن والإنسان.

نحن صوت الجنين الآتي من رحم السماء، نحن هشيم النور والذروة التي امتصت رحيق البهاء، نحن وحدنا من نناضل حتى الرمق الأخير ونقاتل حتى الرمق الأخير، نفي بعهودنا لأننا نحترم انتقاءاتنا حتى الرمق الأخير، هكذا نحن نعض على الوطن بنواجذنا حتى الرمق الأخير.

مريم العفيف