الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الاستهتار في إحياء ذكرى المحضار.. من المسؤول؟! (2 - 1)

1 مارس 2018 الساعة 06:00
رياض باشراحيل
الأمم الحية تلك التي تنتفع بحق وتستفيد بصدق من تراثها الثقافي والإبداعي وتحافظ عليه وتسهم في إبرازه نابضا في مجتمعاتها، وهي التي تجل أعلامها وكبار مبدعيها ورموزها الثقافية وتحترم طاقاتهم العظيمة وتحتفي بها وتزيح الغبار عن تاريخهم الفني ومسيرتهم الإبداعية وتهتم بتقديرهم وتلميع سيرتهم العطرة ونشر مآثرهم وتراثهم الحي للأجيال المتعاقبة.

والشاعر الكبير والملحن الشهير حسين أبوبكر المحضار يعد أكبر شاعر غنائي في حضرموت واليمن، ومن أكبر الشعراء الغنائيين في العالم العربي، وهو مبدع معروف لدى الجمهور حق المعرفة لأنه يرفد هذا الجمهور اليمني والعربي منذ أكثر من سبعة عقود بعطائه الشعري والغنائي المتدفق وإبداعه الخصيب، وهذا العطاء في دواوينه الشعرية وتراثه الفني الغنائي السمعي والبصري يتميز بصفات ومميزات يراها الجمهور بعينه ويلمسها بيده، أهمها أن شاعرنا يدخل عليك من الأنس ما يغريك أن تنشغل به عما سواه وتهتم به عن أي شيء آخر، و ما أن تصل إلى آخر هذا الإبداع وهذا الأنس حتى تشعر بالأسى لأن متعتك بما تقرأ أو تسمع أو ترى توشك أن تنتهي.

الاحتفال بين المولد والرحيل

رحل الشاعر المحضار - عليه رحمة الله - في 5/2/2000م، وفي هذا التاريخ من كل عام ينظّم الاحتفاء بذكرى رحيله في أنشطة ثقافية وفعاليات إبداعية شعرية وفنية ترعاها السلطة المحلية ومكتب إدارة الثقافة بالشحر مسقط رأس الشاعر. وجاء برنامج الاحتفال بالذكرى في العام الماضي جيدا، وكان مِسكه الفواح الحفل الختامي التكريمي والخطابي والفني الذي قدم بالساحة العامة للاحتفالات بالشحر وأعده مكتب الثقافة وشاركت فيه السلطة المحلية والجماهير العريضة ومحبي المحضار من كل حدب وصوب وعرض فيه أوبريت “العمارة” وباقات غنائية رائعة للشاعر الكبير المحتفى به.

أما برنامج الاحتفال لهذا العام 2018م فجاء مختلفا عن حفل العام الماضي ومميزا !!، ولكن تميزه كان للأسف بالعودة مراحل متعددة إلى الوراء بما يوحي بالاستهتار بهذه المناسبة الثقافية الكبيرة وبالجمهور المتفاعل معها وبتراثنا الفني، وبمكانة باني صرحه وتطوره الشاعر الكبير المحضار باعتباره علماً إبداعيا وعبقرية فنية وأكبر رمز شعري وفني في اليمن.

ومن الملاحظات السلبية للاحتفاء المعيب لهذا العام والذي لا نعرف له مبررا موضوعيا إلى الآن ما يلي:

أولا: في برنامج الاحتفال الصادر عن إدارة الثقافة بالشحر جاء عنوان الاحتفال بذكرى هذا العام مغايرا لعنوان الأعوام السابقة، فمنذ رحيل المحضار قبل "18" عاما يتم الاحتفاء بذكرى رحيل الشاعر في يوم الرحيل الخامس من فبراير من كل عام، ولكن هذا العام ولأول مرة جاء عنوان برنامج الاحتفال هكذا:

"برنامج الذكرى (87) لمولد الشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار 2018م. من الفترة 31/1/2018م -6/2/2018م"، فوقع البرنامج في التضارب والتناقض. إذ كيف يتم الاحتفاء بذكرى مولد الشاعر في يوم رحيله؟!، هذا التاريخ يوافق رحيل الشاعر وليس مولده؟! ليست هناك أية علاقة بين هذا التاريخ والاحتفاء بالمحضار إلا علاقة رحيل الشاعر الكبير فقط !!. يبدو أن هناك خطأ ما حدث في فهم معنى الاحتفاء بذكرى الرحيل فظن البعض أن معناه الاحتفال والابتهاج والفرح برحيل المحتفى به؟! واعتبروا ذلك عيبا، إذ الواجب يقتضي الاحتفال بقدومه والابتهاج بمولده لا برحيله، ومن هنا جرى التعديل في صيغة الاحتفال لهذا العام!!

وهنا موضع الخلل ومكمن سوء الفهم فلا شك أن هذا الفهم والمعنى خاطئ فلا يوجد في أي مكان في العالم من يقدّر مبدعا كبير أو يجله، ويحترم شخصية نابغة ورمزا وطنيا ثم يبتهج فرحا برحيله!!، كيف يفرح الإنسان في يوم الحزن؟! وأين يحدث هذا بالبديهة والعقل والمنطق السليم؟!. ولكن معنى الاحتفاء بالمبدعين ومنهم المحضار كما أفهم هو تكريمه لإنجازاته الضخمة في خدمة تراث وطنه، وإحياء مآثر هذا الرائد بعرض أعماله الإبداعية ونفض الغبار عنها وتقديمها في حلة قشيبة وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة هذه الأعمال الفنية المتفردة ومكانة هذا المبدع الكبير الذي نجح في تطوير تراثه الفني ونقله من المحلية إلى آفاق الفن العربي، فأضحى لهذا الرمز ولتراثه الحضرمي واليمني مكانة عالية في وجدان الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.

شكسبير الأديب والشاعر الإنجليزي مثلا في ذكرى رحيله تقرأ سيرته الذاتية في الطابور الصباحي للمدارس من الابتدائية وحتى الثانوية في كل أرجاء بريطانيا وتبث وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والصحافة نماذج من أدبه وفنه لتعرف الأجيال الجديدة بتراث هذا الرائد، فهذه الأعمال الثقافية والفنية التي قدمت لشكسبير أو تقدم للمحضار في ذكرى رحيله تؤكد أنه لا زال حيا ولم يفنَ، ولا زال ذكره ينبض في أفئدة الجماهير ولم يمت، وأنه وإن رحل جسدا فإن إبداعه سيظل حيا يعيش معنا، وخالدا في أنصع صفحات تاريخ شعبه ووطنه رغم رحيله.

هذه هي فكرة سر الاحتفاء بذكرى الرحيل، الرحيل للجسد، والحياة للروح والإبداع. ولم تكن في يوم ما معناها الاحتفال بوفاته والابتهاج فرحا بموته حتى نقوم بالتغيير إلى الاحتفال بمولده؟!

صحيح أنه قد جرى الاحتفال في الثقافة العربية بميلاد بعض الأعلام ولكنها احتفالات قليلة جدا ونادرة كأن يكون المبدع قد بلغ التسعين أو المائة من عمره المديد مثلا كما قد احتفل بمئوية نجيب محفوظ. ولكن الاحتفالات السنوية لرموز الأدب والثقافة والفن العربي تكون غالبا في ذكرى رحيلهم. ولكن بدعة هذا العام أن تم الاحتفال بميلاد مبدع في يوم رحيله لا يوم ميلاده. كيف يحدث هذا؟! إذ لا يمكن أن يصير في أي مكان في العالم ولكنه صار عندنا وجرى في احتفالنا بالمحضار في هذا العام؟!

المبالغة والتضخيم والارتجال

ثانيا: لقد ورد في توصيف ورقة برنامج الاحتفال بالذكرى أن فعاليات وأنشطة البرنامج تمتد من (31/1/ -6/2/ 2018م) بينما فعاليات جدول البرنامج المنشور في نفس الصفحة تنتهي يوم 5/ فبراير/ 2018م. فلماذا التضخيم والمبالغة بزيادة يوم احتفالي من دون فعاليات، ولماذا البعد عن الدقة إلى هذا الحد، فإذا اعتبرنا ذلك خطأ لم يصحح فذلك ليس إلا سيئة من مساوئ العجلة وعدم المراجعة وجرائر ضعف الإعداد للمناسبة.

ويتواصل التضخيم والمبالغة في البرنامج بالتكرار، فقد تكررت فعالية”فتح معرض الصور” في متحف المحضار كنشاط صباحي لستة أيام بينما متحف المحضار إلى الآن ومنذ تأسيسه عبارة عن “ألبوم صور” أي معرض صور كما وصفه الفنان الكبير الراحل أبوبكر سالم بلفقيه منذ “14” عاما. وأما فتح أبواب المتحف فيعد من صميم واجبات عمل موظفه ومديره الفنان أمين بن عويش. فما الجديد الذي قدمناه لهذه الذكرى في هذا الجانب !!، ولماذا تعبئة الفراغ الحقيقي للبرنامج الصباحي لستة أيام بالتكرار الممل لجملة “استمرار معرض الصور” بينما الواجب تدوينه فعالية واحدة تسجل لمرة واحدة مع الإفادة أن فتح المعرض سيستمر من تاريخ (31 /1 -5/2/ 2018 م). إن هذا التكرار يوحي بست فعاليات لا واحدة فما الداعي لذلك غير الحشو والتضخيم والمبالغة!!

ثالثا: أعدت محاضرات وندوات وجلسات طرب وجلسة دان في الفعاليات المسائية لأيام الاحتفال الستة. بيد أن التهاون والارتجال وضعف التنسيق يبرز واضحا، فهناك أربع فعاليات هي محاضرتان وندوتان لا بد لكل فعالية من محاضر ولا بد من موضوع للمحاضرة أو الندوة، بينما البرنامج لم يعلن لا عن عنوان المحاضرة ولا عن اسم المحاضر سوى في محاضرة واحدة ذكر فيها اسم المحاضر الزميل "مفلح" فقط، أما البقية فهي مجهولة المحاضر وموضوع المحاضرة إلى لحظة إعداد برنامج الاحتفال ونشره، ومن منا لا يعرف ضرورة نشر اسم المحضار وعنوان المحاضرة وأهمية ذلك في جذب الجمهور العريض إلى المحاضرة أو الندوة أو الإعراض عنهما، ولكن أتى البرنامج دونهما فعلا. فعلام يدل ذلك؟! إنه يدل على الارتجال ويكشف بجلاء ضعف الإعداد والتنسيق والتحضير للمناسبة.

أما دور المنتديات الثقافية و”صك الوكالة” الذي منح لها لتنفيذ برنامج إحياء الذكرى لهذا العام بالوكالة بديلا عن الدولة ممثلة بمكتب الثقافة بالشحر فهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة.

رحم الله حسين أبوبكر المحضار.