الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

الذكرى الأولى لرحيل الفنان الكبير أبوبكر القيسي.. ذكريات ومحطات مُبهرة

15 مارس 2018 الساعة 06:00
الفنان الكبير أبوبكر القيسي
الفنان/ أنور مبارك
ظهر الأربعاء 14 مارس 2017م، وفي موكب جنائزي حزين، ودعت عدن فقيد الحركة الفنية والتربوية والإعلامية المسرحي الكبير الفنان أبوبكر القيسي، رائد مسرح الطفل في اليمن، وها هي الذكرى الأولى لرحيله، تهل علينا، مع أن غيابه جسدا لم يمنع عنا حضوره الدائم في قلوبنا ووجداننا.

لم يكن الراحل الغالي والفنان المبدع أبوبكر القيسي، رحمة الله عليه، مجرد ممثل أو مخرج، أو مسرحي موهوب، ولكن كان فنانا شاملا، اجتمعت في موهبته كل العناصر الإبداعية، في وقت مبكر من مسيرته الفنية، متكئة على مفاهيمه ومداركه الأدبية والتربوية والاجتماعية، وخياله الواسع وموهبة خلاقة استطاعت أن تقدم أعمالا جمعت بين القيمة الفنية العالية والأصالة والتأثير الجماهيري الواسع.

كان فنانا متجددا، حمل على عاتقه هذه الرسالة السامية، وعزز من تواجده بين أوساط الجماهير بفنه، وقدرته على التجدد والتطور، وكان اختياره لأعماله ليس كيفما اتفق، ولكن بناء على مواصفات ثقافية ومشاريع إبداعية، كانت قد تبلورت في ذهنه وطموحه مبكرا.

ومن هذه المشاريع الإبداعية ومن أبرزها، دوره الريادي في إنشاء وتأسيس مسرح الطفل والعرائس، ودوره في ترسيخ وتثبيت المسرح المدرسي وديمومته، والذي كسر به التقليد الذي كان مقتصرا على إقامة الحفلات الموسمية، وفي المناسبات الرسمية.

إلى جانب ما أخرجه من أعمال درامية للتلفزيون ودنيا الأطفال وللمسرح، أبرزها الأوبريت المسرحي الغنائي (زائر من الأرض) الذي عرض على مسرح (معرض المعارض) في العام 1977م والذي كانت تقدم على خشبته فعاليات ليلية مسرحية وغنائية، ونال هذا الأوبريت نجاحا باهرا لايزال يتذكره الناس حتى الآن، وبعدها انطلق اسمه وشهرته.

لا أقول كلامي هذا من فراغ، حول ما تميزت به هذه القامة والهامة الإبداعية، ولكن عن معايشة وتجارب عملية، جمعت بيننا وأتاحت لي معرفته عن قرب.

وأولى هذه المحطات جاءت بعد فترة من تكليفي بتأسيس وتدريب الفرقة الفنية لوزارة الداخلية عام 1978م، التي وخلال أشهر قليلة، أثبتت وجودها، وأخذت موقعها بين الفرق الفنية الأخرى، وصادف أن حلت الذكرى الثالثة عشرة ليوم (20 يونيو) عيد الشرطة، وجرى التحضير لحفل فني بالمناسبة، وراودتني فكرة الإقدام على عمل أوبريت مسرحي غنائي، يحكي عن مسيرة الشرطة منذ الاحتلال البريطاني حتى ما بعد الاستقلال الوطني.

وقد استحسنت الفكرة الجهة المختصة بوزارة الداخلية، وتم التواصل مع الشاعر الكبير القرشي عبدالرحيم سلام، رحمة الله عليه، لتأليف الأوبريت الغنائي المسرحي، والتواصل مع الموسيقار يحيى مكي، رحمة الله عليه، لوضع الموسيقى والألحان، لاستيعابه الخلاق للموسيقى الكلاسيكية، خاصة المتعلقة بالاسكتلنديارد، وخلفيته الأكاديمية في النوتة والتوزيع الموسيقي للآلات النحاسية والقرب، وشاركت أنا أيضا بالتلحين والغناء لمقاطع كثيرة في هذا العمل ومعي منشدون من الجنسين.

ولم أتردد لحظة في اختيار المخرج البارع، أستاذنا القدير الراحل أبوبكر القيسي، لإخراج هذا العمل التاريخي، لإيماني وثقتي بذكائه وعبقريته، وما يتمتع به من الخلق والابتكار والتفرد بالرؤية.

استلم مبدعنا الراحل النص الشعري الغنائي وتسجيل أولي للموسيقى والألحان، وعكف على دراسته ووضع تصوره وأفكاره، والخطوط المهمة للتنفيذ، واختار الممثلين الموهوبين ووفرت له حسب طلبه الأزياء والإكسسوارات المبهرة المتعلقة بكل المراحل، والديكور المناسب، وبدأت البروفات الحية، وكانت في المسرح الوطني بالتواهي، وأقدم على تجميع، على خشبته في نفس اللحظة، الممثلين والفرقة الوترية والإنشاد لوزارة الداخلية، مطعمة بعازفين ماهرين على الآلات النحاسية بأشكالها وإيقاعاتها المختلفة، والذين صاحبوا الموسيقى والغناء الحي المباشر أثناء الأداء الفردي، ومجموعة المنشدين بدون توقف.

ووصل الراحل أبوبكر القيسي إلى معادلة أثارت دهشة الجميع، بربطه كل نغمة وحرف بالحركات التمثيلية المعبرة عن الأحداث، بطريقة التمثيل الصامت (بنتو مايم) في تناغم فني بين الأبعاد الدرامية والشعرية واللحنية، والتي حملت الطابع الوطني والاجتماعي والكوميدي لكل المراحل، وكانت تظاهرة فنية، اجتمعت فيها فنون الدراما مع الموسيقى والغناء، وشكلت لوحة جمعت سائر الفنون.

واستطاع بقدراته الإبداعية الفذة، أن يجمع بين القديم والحديث، وأن يجعل المناظر والأحداث مترابطة ومتسارعة بدون توقف، على مدى ساعة كاملة من العرض، وكأنها صراع مع النفس الواحد.

وليس مبالغة إذا قلت، إنه أدخل الأوبريت إلى عالم المسرح الغنائي الرحب المتعارف عليه في البلدان التي سبقتنا في هذا المجال، بألوانه المتعددة والمتداخلة.

كان مبدعنا الغالي أبوبكر القيسي ذكاء وعقلا وتفكيرا، وكنا أمام فنان مؤهل تقني وجمالي وفكري تأهيلا مؤسسيا على موهبة متقدة.

وفي يوم المناسبة، وبعد عرض الأوبريت على خشبة المسرح الوطني بالتواهي، الذي حضره وزير الداخلية حينها، الوزير الشهيد علي شائع هادي، رحمة الله عليه، والذي علق بعد انتهاء العرض مباشرة بأنه عمل مكتمل وناجح بكل المقاييس، ومناسب لعظمته، بأن يقدم في ذكرى يوبيلية.

ومع الأسف لم يوثق هذا العمل تلفزيونيا لعدم توفر عربات النقل الخارجي والتصوير الملون المباشر، حينها، والذي بدأ التعامل به في قناة عدن في مارس 1981م.

وبعد مرور عام على عرض العمل، استمر الراحل، فقيد الحركة الفنية، في تقديم عطائه السخي الذي أثرى به الساحة الإبداعية طوال حياته الفنية، وآخر عمل جمعني به من تأليفه وإخراجه، كان قبل ثلاثه أعوام من رحيله، حمل الطابع الاجتماعي التوعوي، وكنا قد سجلنا الموسيقى والغناء بالتعاون مع الشخصية الاجتماعية والثقافية الشاعر محمد سالم باهيصمي، أطال الله في عمره، ولم نتمكن من تطبيقه ميدانيا بسبب الحرب الأخيرة 2015م على جنوبنا الحبيب، وما تبعها من أوضاع غير مستقرة.

رحم الله مبدعنا الغالي أبا نزار، وطيب الله ثراه واسكنه فسيح جناته.