الأربعاء, 10 يونيو 2026
116
مدينة لا تقاس أعمارها بالسنوات، وإنما بما اختزنته من ذاكرة التاريخ وما نقشته الأزمنة على تلالها وشواطئها. مدينة يمتد عمرها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، تعاقبت عليها أمم وإمبراطوريات ومر بها الرومان والأحباش والفرس والعثمانيون والبرتغاليون والفرنسيون والبريطانيون.. وظلت رغم تبدل الأزمنة وتقلب الدول واقفة كقلعة عصية لا تنكسر وكمنارة تهدي العابرين إلى شواطئ الأمان.
هذه المدينة العظيمة، التي صمدت في وجه الغزاة والعواصف وأهوال التاريخ… تبدو اليوم وكأنها تخوض معركة من نوع آخر، معركة تستنزف روحها وتنهك جسدها. فعدن التي كانت يومًا عنوانًا للتحضر والانفتاح والتعايش، أصبحت تعاني من التراجع والإهمال والإنهاك، حتى بدا وكأن المدينة التي احتضنت الجميع تُترك اليوم وحيدة في مواجهة أوجاعها.
لقد فتحت عدن أبوابها عبر تاريخها الطويل لكل قادم إليها. استقبلت الباحث عن مصدر العيش والأمان والطالب الساعي إلى العلم والمريض الذي يقصد العلاج وحتى العابر الذي يبحث عن فرصة جديدة للحياة. لم تسأل أحداً منهم عن أصله أو منطقته أو انتمائه، وإنما منحت الجميع مكانًا دافئًا في قلبها الرحب وشاركتهم ماءها وخبزها وفصولها. شاركتهم خيرها، شاركتهم ثقافتها وحضارتها وغمرتهم بحبها، حتى من أساء لها لم تبخل عنهم بتسامحها ووفائها.
ومن هنا فإن مناشدتنا اليوم ليست صرخة غضب، وإنما نداء وفاء. نداء إلى كل من عاش في عدن أو نهل من خيرها أو وجد فيها ملاذًا وفرصة وكرامة. كونوا معها بادلوها الوفاء فهي لم تبخل يومًا على أحد. أعيدوا إليها بريقها ووجهها الحضاري وقبل ذلك كل ما تستحقه من عناية وخدمات وأمن واستقرار. وفروا لها الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية التي تليق بتاريخها ومكانتها… وفروا لها حياة كريمة مثلما منحتكم وقبلكم أجيالًا كثيرة معنى الحياة. أبعدوا عنها صراعاتكم وخلافاتكم فهي المدينة التي تمثل الأمل المشترك للجميع وهي سيدة البحار التي تمنحكم جميعا على اختلاف مشاربكم شواطئ الأمان.
عدن ليست مجرد مدينة، وإنما هي شريان الأمل والحياة للامة اليمنية شمالًا وجنوبًا. وإذا استعادت عافيتها فإنها ستعود كما كانت دائمًا، مركزًا للاقتصاد والتجارة والثقافة والاستثمار، وفضاء رحبًا تتسع خيراته للجميع دون استثناء. إن نهضة عدن لن تكون مكسبًا لأبنائها وحدهم، بل مكسبًا لكل اليمنيين ولكل من ارتبطت مصالحه ومستقبله بهذه المدينة الفريدة.
يا معشر القوم، لا تبخلوا على عدن بشيء فقد أعطتكم الكثير وفتحت لكم قلبها قبل أبوابها ومدت لكم يدها في أوقات الرخاء والشدة. واليوم وقد أثقلتها الجراح، فإن أقل ما تستحقه هو أن نرد لها بعضًا من الجميل، وأن نقف إلى جانبها حتى تستعيد مكانتها التي تستحقها بين مدن العالم، مدينة للحياة وواحة للأمل وعنوانا للحضارة التي لا تموت.