الأربعاء, 10 يونيو 2026
67
لا أعرف هل أهذي أم ما زلت بخير؟ ففي تلك البقعة كانت هناك بلدة يعيش فيها أناس يبصرون ويشعرون ويعقلون، ويذهبون إلى أعمالهم، وطلاب إلى مدارسهم، ومزارعون إلى حقولهم، وحماة الوطن رجالًا في مواقعهم.
كانت حياة حقيقية وبسيطة، ليس فيها ذكاء اصطناعي، ولا ثائر وطني ربيعي، ولا وطن بحجم السراب.
من خلف تلك المنازل المرصوصة كان ضجيج الأطفال يملأ الأحياء العتيقة، ومعلمون ومعلمات فاضلات يذهبن إلى فصول الدراسة، ورنين الجرس كأنه أوركسترا في مهرجان وأعياد.
كان الناس يملكون الطحين وحنفية الماء، ومطبخًا يطبخون فيه وجباتهم، من دون استغاثة أو طلب مدد أو إسعاف أو تسول، ويحلقون في سماوات الشرف والسيادة والأمن والأمان.
من وسط الشارع تطل طفلة جميلة، ممشطة شعرها بعناية، ترتدي بلوزة وردية، تتنطط فرحًا لاستقبال بائع الروتي الذي يطوف الأحياء والمنازل بتوجيه من المركز الرئيسي للرجولة وصناعة الحياة والسلام.
سحب بيضاء تعتلي السماء، تطوف فوق البلدة، وتسير في موكب بديع، وكأنها لجنة إنسانية للمراقبة وحماية البلدة من الأشرار والمرتزقة الذين يتصيدون أي فرصة لتعكير حياة الناس وأفراحهم وسكينتهم، وتدمير بلدتهم وإبادتها عن بكرة أبيها.
على يمين البلدة ويسارها توجد بحار وشواطئ وخلجان وقلاع ومساجد وكنائس ودور صحافة، وأناس مؤمنون يقيمون صلواتهم ويأنسون بحياة هادئة ورائعة، وأطفال يتمردون على اجتماع الأسرة ويذهبون إلى أطراف البحر، يفترشون الرمال، ويرسمون جمال الأرض والمدرسة والجبل والشوارع والجندي والضابط والمعلم والمعلمة وزهور الياسمين.
كانت الشمس تشرق من المشرق وترسل أشعتها إلى كل أركان وزوايا البلدة، فتصافح رفوف المدينة، ومقاهي يقف فيها أناس يشربون الشاي ويطالعون صحف اليوم، ثم يتوجهون إلى أعمالهم.
وقفت صامتًا أتأكد: هل أنا على يقين؟
مرَّ أحدهم، فسألته:"لقد كانت هنا بلدة، فأين اختفت؟" كان رجلًا في السبعين من عمره، بدا مرهقًا تائهًا، فتأثر من كلماتي، وتساقطت دموعه، وقال لي:"نعم، كانت هنا بلدة عامرة بالخير والحب والسلام...
وذات يوم داهمتها ثورة، وعرب وفرس، وربيع، وملوك نفط، ومرتزقة.
قالوا إن لديهم قضية وتحريرًا وإعمارًا وأوطانًا، فأطاحوا بالبلدة عن بكرة أبيها، ومزقوها، وبعثروا حياتها.
انظر أمامك، لا شيء سوى الظلام واللئام، ومواكب الكلاب الضالة والثعابين والقطط والذئاب والقوارض، تنهش كل شيء، وأعلام الأوطان ترفرف في كل أرجاء البلدة المقبرة".