ما أجمل أن تصحو باكرًا، وأنت في صحتك، وقد صليت لربك شكرًا على أهم نعمة لا ندرك قيمتها إلا حين نفتقدها؛ إنها العافية وصحة البدن، فتلك تاج على رؤوس الأصحاء، ولا يدرك ثمنها الحقيقي إلا المرضى.

منذ خمسة عشر يومًا وأنا أعاني من التهاب في الصدر وفقدان للصوت بسبب حساسية تلازمني وتحد من نشاطي، ومع ذلك، ولله الحمد، استعدت صحتي بفضل الله.

للعافية لذة وطعم مختلف، ولعلّ الله يبتلي المرء منا بمرض حتى يدرك قيمة هذه النعمة التي يعيشها دون أن يشعر بها، وكيف يمكن لنا أن نخرج من روتين ممل اعتاد عليه الناس في أيام عافيتهم، ولا يغيرونه إلا عندما يأتي المرض.

من هذا الروتين المعتاد أن تجد بعضنا يقضي سنوات يتناول القات بالطريقة نفسها كل يوم، ومع الوجوه نفسها، وفي المجالس والمنتديات نفسها، بصيغة لم تعد تأتي بجديد في الفكر والتنوير والفائدة؛ لا للمرء في دينه، ولا لوطنه، ولا لذاته. 
  • التغيير مطلوب 
فهو فرصة للتجديد والحفاظ على الحماس والحيوية اللذين يظهران على الإنسان في حياته وعمله.

وللصباح حكايات جميلة كنا نعيشها عندما كانت عدن وبلادنا أكثر استقرارًا.

كان الصباح يبدأ دون أن تحمل هم أخبار القتل والحروب، ودون أن تعيش كل يوم على وقع الأسف على تلك الأرواح التي تُقتطف في المعارك.

ومنذ أول خروج بالسلاح الذي رفعوه في صنعاء، دخلت اليمن في صراع عبثي مع بعضهم البعض على السلطة، فكانت الرصاصة التي أطلقت في صنعاء رصاصة أصابت اليمن كلها.

ودخل الجميع في صراع على السلطة، انتهى بإسقاط الرئيس هادي بعد تنحي صالح، فيما عُرف بثورة التغيير، ثم استولى الحوثيون على السلطة في صنعاء باسم رفع المعاناة وتخفيض جرعة الأسعار، والهدف السيطرة على الحكم وإبعاد الرئيس هادي من «المركز المقدس»، كما قال لنا هادي نفسه في أول لقاء به في 2015م.

ومنذ ذلك الحين، والحروب مستمرة، ومحاولات تصديرها إلى الجنوب لم تتوقف.

وفي 2015، تمكن الجنوب، بفضل الله ثم بثبات رجال المقاومة الجنوبية ودعم الأشقاء في التحالف العربي، من مواجهة ذلك المشروع وإفشال تمدده نحو الجنوب.

لكن الخلافات التي نشبت لاحقًا داخل التحالف العربي لم تكن أمرًا نتمناه، لأنها انعكست سلبًا على بلادنا.

بين فرحة الصباح وآمال الحياة ونعمة العافية، نتشرف بالأمل بأن الله سيرفع هذا الحال.

فما ضاقت إلا فرجت، وصدق من قال:

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وأقولها بصراحة:

أكبر معطل للنشاط والعمل والشعور بنكهة الصباح الباكر هو القات، الذي أصبح مأزقًا بسبب تعلق معظم الرجال والشباب به، وأنا واحد منهم، وإن كنت قد قررت منذ أيام تغيير النظام وتحديد أيام معينة فقط في الأسبوع.

لعلنا نستعيد شيئًا من ذكريات الجنوب، حين كان القات آخر سلم تفكير الناس، عدا الخميس والجمعة.

كانت عدن منذ الصباح كأنها خلية نحل، تدب فيها الحركة والنشاط والحيوية، في ظل حياة مستقرة.

لا همّ بقطع الكهرباء، ولا الماء، ولا الراتب، ولا الخوف من عدم توفر تكاليف العلاج، ولا مدارس خاصة؛ لأن التعليم كان مجانيًا.

ولا ولا من الأشياء الجميلة التي افتقدها الجنوب منذ ورطة مشروع الوحدة، التي تحولت إلى مشروع للحروب منذ 94 وحتى اليوم.

ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا.

ويبقى الصباح فرصة جديدة للعمل والحياة والتغيير.

فإذا كانت العافية نعمة، فلنحافظ عليها.

وإذا كان التغيير ضروريًا، فلنبدأ بأنفسنا.

وإذا كان الوطن متعبًا، فلا أقل من أن نحافظ على الأمل في أن يأتي صباح أجمل.