شهدت الطريق بين لحج وتعز طوال مراحل مختلفة حركة واسعة، من نقل البضائع، إلى زيادة في عدد المسافرين، بصورة يومية ومعتادة، ولم نكن نسمع حينها عن طريق المضاربة الوازعية.

كان التجّار الذين ينقلون بضائعهم عبر الطريق، ويصلون بها إلى عدن، يستنفرون من الليل، وكان بزوغ الفجر بالنسبة لهم، باب الرزق المفتوح، الذي يدّخرون عندهُ الدُّعاء الى الفتّاح العليم، لتسهيل الرزق وزيادة البركة، وقضاء الحوائج، وما كانوا يعلمون عن جبال كهبوب والظهورة، حتى في زمن حروب "الجبهة"، والحروب بين الشطرين.

كان اللحجي ومازال ينقل بضاعته من الطماطم والبصل ويبيعها في أسواق تعز، والتعزّي يأتي إلى لحج ببضاعته من البُن والجُبن البلدي ويبيعها في أسواق المدينة، وكان إعلام الدول، الذي يضج الآن بأخبار اليمن وباب المندب، لايعرف حيس ولا رأس العارة.

اليوم كبرى وكالات الأنباء الدولية "رويتر" و "اسوشيتد برس" تعرفان تمامًا "الكدحة" و ذو باب" و"جبل النعمان"، كأن العالم لا يعرفك في زمن السلم، ويدقّق في أسماء مناطق بلادك في زمن الحروب والأزمات.

غاب اسم اليمن الذي كان ينشدهُ أهله خلف هذه التضاريس، ولم يبقَ من "المخاء" التي كانت تصدّر أجود أنواع البُن إلى سائر الأقطار، الّا هذا النزوح الكبير إلى ضواحي عدن.

ما يزال الناس يتذكرون خط عدن تعز، وهو في الصدارة من إهتمام المواطن الجنوبي، لذا تذهب "العمالقة" تدافع عن ميّون، وتصمد أمام آلة الحوثي الحربية في الساحل، وتستميت في الذود عن عدن، عند شماريخ كهبوب.

مَنْ أضاع اليمن خلف جبال حبشي والبازلة، وتبّة الخزّان؟ بينما كانت الطريق بين لحج وتعز شاحنات فواكه وخضروات، وحبوب وجُبن بلدي، وبُن وعسل، وكان المسافر والواصل الى القرية والمدينة، يحملان كيس الهدايا الذي لا يخلو من حلوى وهريس القباطي، أليس الصمت الطويل للحكومات المتعاقبة الذي كانت تغذّيه هيئة الأُمم بدبلوماسية مقيتة، حتى وقع الفأس في الرأس!.

كانت جبال الاحيوق في الوازعية، ملهمة الشاعر الذي كتب "لمع البروق"، اليوم استحالت تلك الجبال، إلى لمع الرصاص، وصوت الدرون!.

لقد صمتت هيئة الأمم منذ 11عامًا ليصل البلد الى هذا المنحى الخطير من الصراع الدامي، واتضح للمراقب الآن أنهُ كان صمتًا مقصودًا ومدروسًا، لتحقيق نتيجةٍ ما، ونيل المبتغى.

باب المندب الذي شغل العالم في الأيام الماضية، أجّج الصراع بين الأقطاب، واستنكف بسببه ترامب، وانفعل بوتين، وساومت طهران، وحضرت باكستان، واستنفرت القاهرة، وتداعت أنقرة، وبعد طول صراع، وكلفة باهظة، يشير خبراء السياسة أن الطرفان الحوثي والشرعية سيتفاوضان بوساطة دولية، لكن بعد أن أُهرق المزيد من دم اليمنيين.

أما الجنوب فلهُ أن يهزُّ باب العالم هزّاً ليستفتح بشأن قضيته، فلعلها الآن ساعة مواتية، أو حتى ثُلث من ساعة.. فقد قيل:

قد يضيقُ العمرُ إلّا ساعةً

وتضيقُ الأرضُ إلّا موضعا.