> «الأيام» غرفة الأخبار:

لم يكن التراجع الأميركي، بحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، قرارًا مبكرًا بإبقاء الولايات المتحدة خارج الحرب اليمنية، إذ كانت قوائم الأهداف قد اعتمدت وبدأت القوات بتحميل القنابل على الطائرات المخصصة للمهمة، قبل أن يقرر ترامب إلغاء العملية.

ويضع هذا التطور القرار الأميركي أمام سؤال يتجاوز الضربة التي لم تقع: هل يرى ترامب أن الدخول المباشر في الحرب اليمنية سيكلف واشنطن جبهة جديدة لا تريدها في الوقت الراهن؟ فالرئيس الأميركي كان قد قاوم خلال الأسابيع الماضية طلبات سعودية متكررة للتدخل، قبل أن يأمر، عقب اتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بالاستعداد لضرب الحوثيين، ثم يتراجع مرة أخرى.

وتأتي هذه المراوحة في وقت يتغير فيه المشهد الميداني بسرعة. فقد تمكن الحوثيون خلال سبتمبر من السيطرة على أجزاء واسعة من الساحل اليمني على البحر الأحمر، فيما يحاولون الآن الوصول إلى مرتفعات كهبوب في محافظتي تعز ولحج. والسيطرة على هذه المرتفعات ستمنح الجماعة قدرة أكبر على حماية مواقعها حول باب المندب وفتح جبهات جديدة باتجاه المناطق الجنوبية الخاضعة للقوات المدعومة من السعودية.

ولا يتعلق الأمر هنا بخريطة السيطرة داخل اليمن فقط. فباب المندب يمثل أحد المسارات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة، وتكتسب السيطرة عليه أهمية إضافية في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز. وتقول رويترز إن تقدم الحوثيين يهدد الطريق البديل الذي كانت السعودية تعتمد عليه في تصدير النفط عبر البحر الأحمر، الأمر الذي دفع الرياض إلى زيادة الشحنات عبر هرمز رغم المخاطر المرتفعة هناك.

وبذلك يجد ترامب نفسه أمام معادلة صعبة. فمن جهة، تمثل السعودية حليفًا رئيسيًا لواشنطن، وتتعرض منشآتها ومدنها لهجمات حوثية، بينما تنظر الرياض إلى تقدم الجماعة نحو باب المندب باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها ولقدرتها على تصدير النفط. ومن جهة أخرى، فإن توجيه ضربات أميركية إلى الحوثيين قد يعني فتح مسار عسكري جديد في حرب إقليمية بدأت أصلا مع إيران، في وقت تحاول فيه إدارة ترامب تجنب توسيع نطاق المواجهة.

وهناك تجربة سابقة لا تزال حاضرة في الحسابات الأميركية. فقد شنت إدارة ترامب حملة جوية على الحوثيين في أوائل 2025 استمرت نحو شهرين، قبل أن تنتهي بوقف لإطلاق النار. ووفقًا لـ«نيويورك تايمز»، استهلكت تلك الحملة كميات كبيرة من الذخائر، فيما تمكن الحوثيون لاحقا من إعادة بناء جانب كبير من قدراتهم العسكرية.

الأكثر دلالة أن واشنطن والحوثيين أبقيا في الفترة الأخيرة قناة اتصال غير مباشرة عبر سلطنة عمان. وأكد القيادي الحوثي محمد البخيتي لوكالة "أسوشيتد برس" أن الجماعة أبلغت واشنطن بأنها لا تستهدف السفن الأميركية، في حين قال ترامب إن الحوثيين تواصلوا مع الولايات المتحدة ولا يريدون القتال معها. وتقول تقارير إن تفاهم وقف إطلاق النار السابق قام على توقف الحوثيين عن استهداف السفن الأميركية مقابل وقف الضربات الأميركية.

هذه القناة تجعل قرار ضرب الحوثيين أكثر تعقيدًا. فاستئناف الغارات الأميركية قد ينهي عمليا الترتيب الذي أبقى السفن الأميركية خارج دائرة الاستهداف، ويعيد واشنطن إلى مواجهة بحرية مباشرة مع الجماعة، في وقت أصبحت فيه الأخيرة أقرب إلى باب المندب وأكثر قدرة على تهديد الملاحة.

وفي النهاية، لا يبدو قرار ترامب مجرد تراجع عن عملية عسكرية محددة، بقدر ما يعكس حسابًا أوسع بشأن حدود التدخل الأميركي في اليمن. فالضربة قد تساعد السعودية على كبح الحوثيين، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه جبهة إضافية أمام الولايات المتحدة وتعيد الجماعة إلى استهداف السفن الأميركية.

وفيما يواصل الحوثيون التحرك نحو كهبوب وباب المندب، يصبح السؤال بالنسبة إلى واشنطن ليس فقط متى تضرب، وإنما ما الذي ستفعله إذا تغير ميزان السيطرة على المضيق قبل أن تتخذ قرارها النهائي؟ فالتأخر في التدخل قد يرفع كلفة أي تحرك لاحق، بينما قد يؤدي التدخل المباشر إلى توسيع الحرب التي يحاول ترامب إبقاءها تحت السيطرة.