> «الأيام» العرب:
لا تبدو المواقف التي صدرت أخيرًا عن بعض الشخصيات الإسلامية تجاه إيران والحوثيين مجرد تفصيل في حرب إقليمية تتسع دوائرها، بل تفتح سؤالا أعمق حول الحدود الفاصلة بين الهوية الدينية والموقف السياسي لدى الإسلاميين. فحين تتقاطع خصومة بعض التيارات مع السعودية والولايات المتحدة مع موقف مؤيد لطهران أو متعاطف مع الحوثيين، يعود السؤال القديم: هل تتحكم المرجعية الفكرية في الموقف السياسي، أم أن السياسة تعيد ترتيب الأولويات الدينية وفقًا لحسابات المرحلة؟.
المثال الأوضح حاليا هو المفتي الليبي الصادق الغرياني، الذي هاجم السعودية في سياق حديثه عن الحرب في اليمن، وأبدى تأييدا للحوثيين، وصولا إلى تفضيل بقائهم مسيطرين على باب المندب.
وقد أثارت تصريحاته ردا يمنيا مباشرا، إذ اتهمه وزير الأوقاف والإرشاد اليمني باختزال الحرب في مواجهة سعودية - يمنية، بينما قال إن جوهر الصراع يتعلق بالدولة اليمنية ومؤسساتها في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.
أهمية هذا الموقف لا تكمن في صاحبه وحده، بل في السؤال الذي يفرضه: كيف يمكن لشخصية دينية سنية أن تضع جماعة حوثية مرتبطة بإيران في موقع الطرف الذي يستحق التأييد، رغم أن الحوثيين يخوضون في الوقت نفسه مواجهة عسكرية مباشرة مع السعودية؟ فالهجمات الحوثية لم تعد محصورة في الجبهة اليمنية، بل امتدت خلال سبتمبر إلى الأراضي السعودية، فيما قالت الرياض إنها اعترضت صواريخ ومسيّرات استهدفت مدنا ومنشآت داخل المملكة، من بينها محاولة استهداف مكة.
ومن هنا تتولد مفارقة العلاقة مع السعودية وإيران. فبعض الإسلاميين الذين يرفضون النفوذ الأميركي في المنطقة، يجدون في إيران قوة تقف في مواجهة واشنطن وإسرائيل، حتى لو كانت طهران نفسها في صراع مع دول عربية خليجية.
لكن العداء للولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن أن يكون معيارا وحيدا في تقييم العلاقات الإقليمية. فإيران تطرح، بحسب منتقديها، أجندة للنفوذ الإقليمي، وتستند إلى إرث سياسي وفكري يقوم على توسيع مجال تأثيرها في المنطقة، فيما يرتبط مشروعها أيضا باستدعاء الخطاب المذهبي في عدد من ساحات الصراع.
وتتكرر هنا إشكالية العلاقة مع حزب الله، وإن كانت على نحو مختلف. فالحزب نفسه يقوم على مرجعية شيعية سياسية وعقائدية أكثر وضوحا.
وهذا يطرح سؤالًا حساسًا حول مفهوم البراغماتية في الإسلام السياسي. فالبراغماتية في حد ذاتها ليست تناقضا، إذ يمكن لأي حركة سياسية أن تغير تحالفاتها وأن تعيد ترتيب أولوياتها وفقا للظروف. لكن الإشكال يظهر عندما تتعارض هذه المرونة السياسية مع المرجعية التي تقول الحركة إنها تستند إليها، أو عندما يصبح الخصم السياسي أهم من القاعدة الفكرية التي يفترض أن تحدد الموقف من القضايا الكبرى.
وهنا تتضح الفجوة بين الإسلام السياسي السني والإسلام السياسي الشيعي في بعض الحالات. فالنموذج الإيراني يقدم مرجعية سياسية دينية معلنة تقوم على «ولاية الفقيه»، فيما يرتبط حزب الله بهذه المرجعية بصورة تاريخية ومؤسسية. أما التيارات السنية الإسلامية فلا تمتلك مرجعية سياسية موحدة من هذا النوع، ولذلك تتباين مواقفها تبعا للبلد والحركة والظرف السياسي.
ولهذا فإن انجذاب بعض الإسلاميين إلى الحوثيين لا يمكن تفسيره ببساطة باعتباره «ولاء لإيران». فقد يكون مدفوعا بعداء الولايات المتحدة وإسرائيل، أو باعتبار الحوثيين جزءًا من معسكر «المقاومة». لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا التقاطع سببا لتجاوز أسئلة يفترض أن تحكمها المرجعية الدينية نفسها: ماذا عن سيادة الدولة؟ ماذا عن قتل المدنيين؟ ماذا عن استهداف المدن والمقدسات؟ وهل تختلف الأحكام باختلاف هوية الطرف المستهدف؟.
















