> «الأيام»العربية:

​لم تعد أعمال العنف في إثيوبيا محصورة في بؤر الصراع المعروفة، إذ كشفت الاشتباكات الأخيرة في منطقة غامبيلا، قرب الحدود مع جنوب السودان، عن هشاشة أمنية تمتد عبر مناطق متباعدة. وفي وقت تتقاطع فيه النزاعات المحلية مع صراعات مسلحة أكثر رسوخاً، بدأت قوى متباينة في خلفياتها السياسية والميدانية تبحث عن أرضية مشتركة في مواجهة الحكومة الفيدرالية.

ففي غامبيلا تحديداً، أسفرت أعمال العنف عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، في أحدث حلقة من سلسلة اضطرابات أمنية تشهدها مناطق عدة.

في حين قالت منظمة أطباء بلا حدود إن مركزها الصحي في كولي استقبل 88 مصاباً جراء أعمال العنف التي وقعت في 18 سبتمبر/ أيلول، بينهم 8 فارقوا الحياة قبل وصولهم، و4 توفوا عند وصولهم إلى المركز، فيما لم يتضح حتى الآن الطرف المسؤول عن اندلاع المواجهات.

ولا تنفصل حساسية غامبيلا عن موقعها وتركيبتها السكانية؛ فهي تستضيف أكثر من 400 ألف لاجئ، معظمهم من جنوب السودان، وتشهد منذ سنوات اشتباكات بين جماعات محلية. وفي هذا السياق، ربط تقرير لمعهد "ريفت فالي" صدر عام 2025 تصاعد الصراع بالمنافسة على الموارد الاقتصادية، إلى جانب تأثير تدفق اللاجئين على التوازنات المحلية.
  • من أوروميا إلى أمهرة: جبهات متعددة
وهكذا، يكتسب ما جرى في غامبيلا دلالته من وقوعه داخل بيئة أمنية أوسع تتداخل فيها المنافسة على الأرض والموارد مع النزاعات المحلية.
وتصبح الصورة أكثر وضوحاً عند الانتقال إلى أوروميا وأمهرة، حيث تدور مواجهات ذات جذور وأطراف مختلفة.

ففي أوروميا، تخوض القوات الحكومية مواجهة مع "جيش تحرير أورومو" منذ عام 2018، بينما أصبحت جماعة "فانو" المسلحة في أمهرة طرفاً في صراع مع الحكومة الفيدرالية منذ عام 2023.

ومع استمرار هاتين الجبهتين إلى جانب التوتر في غامبيلا، تتسع قائمة المناطق التي تواجه اضطرابات مسلحة في بلد تتعدد فيه أسباب الصراع وأطرافه.
  • تحالف سبع جماعات: إطار واحد لخصوم متفرقين
وفي خضم هذا المشهد المتشعب، برز تطور قد يمنح هذه الصراعات بعداً أكثر ترابطاً؛ إذ أعلنت سبع جماعات مسلحة وسياسية أمس الأحد تشكيل تحالف جديد يهدف إلى إطاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وإنشاء إدارة انتقالية شاملة.

ويضم التحالف "جبهة تحرير شعب تيغراي، و"حركة فانو الوطنية" في أمهرة، و"جيش تحرير أورومو، إلى جانب أربع جماعات أصغر هي "جبهة تحرير شعب أوغادين"، و"جبهة الوحدة الديمقراطية الثورية لعفر"، و"حركة تحرير شعوب بني شنقول"، و"حركة شعوب غاموز الديمقراطية".

وتتجاوز أهمية الإعلان مجرد انضمام سبع جماعات إلى إطار سياسي واحد، إذ يجمع للمرة الأولى قوى تنتمي إلى تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى، بعدما خاضت صراعات متباينة وعلى جبهات منفصلة.

وبحسب الجماعات المشاركة، فإن هدفها إقامة حكومة انتقالية ووضع ميثاق لمعالجة الملفات الأمنية والإنسانية والاقتصادية والسياسية.
  • حرب تيغراي ومفارقة التحالفات
ولفهم مدى التحول الذي يعكسه هذا التقارب، تبرز خلفية الصراعات التي أوصلت هذه القوى إلى مواقعها الحالية. فبعضها لم يكن مجرد خصم للحكومة الفيدرالية، بل دخل في مواجهات مباشرة مع قوى أصبحت اليوم جزءاً من التحالف نفسه. وتظهر هذه المفارقة بوضوح عند العودة إلى حرب تيغراي، التي اندلعت بين الحكومة الفيدرالية وقوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وسط صراع أعمق على السلطة داخل النظام الفيدرالي القائم على أساس عرقي.

وقد مثلت الجبهة لعقود القوة المهيمنة على الائتلاف الحاكم قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018.

ثم بعد عامين من القتال، انتهت الحرب باتفاق لوقف الأعمال العدائية وُقع في بريتوريا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 برعاية الاتحاد الإفريقي، لكنه لم يحسم جميع القضايا العالقة، بما فيها ملفات الأراضي والترتيبات الأمنية والوضع السياسي للجبهة. ومع عودة التوتر إلى تيغراي في عام 2026، تصاعدت المخاوف من احتمال تجدد القتال.

في المقابل، كانت "فانو" خلال حرب تيغراي في المعسكر المقابل، إذ قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية والإريترية ضد قوات الجبهة، قبل أن ينقلب المشهد بعد انتهاء الحرب، وتدخل "فانو" نفسها في مواجهة مسلحة مع الحكومة في أمهرة منذ عام 2023، عقب خطوات حكومية لإعادة تنظيم القوات الخاصة الإقليمية.
  • تنسيق لا اندماج
هنا تظهر المفارقة التي تمنح التحالف الجديد أهميته: فقوى خاضت صراعات مختلفة، ووقفت في مراحل سابقة في معسكرات متعارضة، تحاول اليوم تنسيق مواقفها في مواجهة الحكومة المركزية.
غير أن هذا التقارب لا يعني بالضرورة أنها تجاوزت خلافاتها أو أصبحت قوة عسكرية موحدة، إذ تحتفظ كل جماعة بأجندتها ومطالبها وسياقها المحلي المختلف.

من هذه الزاوية، تبدو خريطة العنف الإثيوبية أمام مشهد أكثر تعقيداً من مجرد تعدد الجبهات. فبينما يستمر العنف في غامبيلا، ويتواصل القتال في أوروميا وأمهرة، وتعود التوترات إلى تيغراي، تظهر محاولة لربط عدد من هذه الصراعات ضمن إطار سياسي واحد.لذلك، فإن أهمية التحالف لا ترتبط فقط بعدد الجماعات المنضوية تحته، وإنما بما إذا كان قادراً على تحويل صراعات إقليمية متفرقة إلى تنسيق أوسع بين خصوم الحكومة في مناطق مختلفة.

وإذا نجح في ذلك، فقد يواجه المشهد الإثيوبي تحولاً جديداً؛ أما إذا غلبت الخلافات، فسيبقى التحالف إطاراً هشاً يعكس تعقيد الصراع أكثر مما يغير مساره.