- نداء في أوانه.. ودروس ينبغي استحضارها
مع حلول الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ودعوة الرئيس الدكتور رشاد العليمي إلى التعبئة العامة، تستحضر الذاكرة الوطنية مشهد عدن صبيحة إعلان الثورة من إذاعة صنعاء. يومها، تقاطر آلاف الشباب اليمنيين، ممن جمعتهم المدينة من مختلف أنحاء الوطن، للتسجيل والالتحاق بركب الدفاع عن الجمهورية. وتتابعت الشاحنات تحملهم إلى تعز ومنها إلى صنعاء، ليكونوا في طلائع الحرس الوطني، ويشكّلوا متراسًا شعبيًا يحمي الثورة الوليدة. كان ذلك سفرًا خالدًا من البذل والانتماء، ما تزال فصول منه تنتظر الإنصاف والتوثيق.
نستعيد ذلك المشهد بما يحمله من معنى: أن اليمنيين، حين يجمعهم أمل وطني، قادرون على تجاوز المسافات والانقسامات. وتبقى مسؤولية القيادة أن تمنح استعدادهم وجهته، وتبني له مؤسسة تحفظ تضحياته وتُثمر بها أمنًا واستقرارًا.
ومن هذا المنطلق، تأتي دعوة الرئيس إلى التعبئة العامة والالتحاق بالقوات المسلحة والأمن عبر القنوات الرسمية في أوانها. ويقتضي إنجاحها أن نقف بصدق أمام حصيلة اثني عشر عامًا مضت منذ الانقلاب، ونستخلص ما يحوّل الاستجابة الشعبية إلى قدرة منظّمة تستكمل التحرير وتعيد بناء الدولة.
وهنا تبرز القراءة الحصيفة التي قدّمها الشيخ صالح بن فريد العولقي، امتدادًا لتحذيرات أطلقها، ومعه أصوات وطنية عديدة، منذ تحرير عدن صيف 2015؛ من خطورة تعدّد التشكيلات وتباين مرجعياتها، وإسناد قيادتها بعيدًا عن التأهيل والكفاءة، بما يضعف القدرة على هزيمة الحوثيين ومواجهة دعمهم الإيراني.
وتزداد وجاهة هذه التحذيرات أمام أثر المحاصصة في صعود قيادات إلى مواقع تفوق خبرتها، مقابل تهميش كفاءات تلقّت تعليمها في كليات وأكاديميات مرموقة شرقًا وغربًا، وأقصتها حسابات حزبية وشخصية عن العطاء.
- من غرف مشتركة إلى قيادة موحّدة
تلتقي تلك التحذيرات عند جوهر المشكلة: قوات نشأت كجزر متفرقة، لكل منها قيادتها ومرجعيتها، بينما تحتاج المؤسسة الوطنية إلى وحدة تتجاوز التسمية والراية.
فوجود القادة في غرفة واحدة لا يعني بالضرورة وحدة القيادة؛ إذ قد تظل كل مجموعة مرتبطة بأوامر تصدر من خارجها، فتضعف المسؤولية المشتركة ويتعثر الأداء المتكامل. والمعالجة تقتضي اتفاقًا سياسيًا ملزمًا يُخضع جميع التشكيلات لمرجعية الدولة، ويوجّه دعم الأشقاء نحو تثبيتها.
وعلى هذا الأساس تتضح العلاقة بين القيادة العليا ووزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان وغرف العمليات والقيادات الميدانية، بما يضمن وحدة القرار، وتفويض الصلاحيات المناسبة، والمساءلة عن التنفيذ.
- تعبئة تجد مؤسسة تحتضنها
حين تستقيم المرجعية، يصبح للنداء الوطني طريق واضح. فالمستجيب للتعبئة يحتاج إلى معرفة أين يلتحق، وكيف يتدرّب، ولمن يخضع، وما الحقوق التي تكفل كرامته وأمن أسرته.
وهذا يستدعي برنامجًا يربط التسجيل والقبول بالتأهيل، ويوفّر التمويل والرعاية والرقابة، ويراعي قدرة المؤسسة على الاستيعاب. ففي فنلندا يرتبط الاستعداد الوطني بالتدريب والاحتياط المنظّم، وفي سويسرا تختبر تمارين التعبئة الجاهزية والتعاون مع السلطات المدنية. ومع اختلاف ظروف اليمن، يبقى الدرس مفيدًا: تؤتي الحماسة الشعبية ثمرتها حين تحتضنها مؤسسة تحسن إعدادها وتضمن استدامة عطائها.
- إصلاح يجمع الصفوف ويحفظ الخبرة
ينبغي أن يسير استيعاب المنتسبين الجدد جنبًا إلى جنب مع إصلاح القوات القائمة؛ فتدريب الوافدين على الانضباط والانتماء الوطني يفقد أثره إذا انتهى بهم المطاف داخل وحدات تتنازعها مرجعيات وولاءات متعارضة.
والمسار الأجدى إعادة هيكلة ودمج تدريجيان يحفظان استمرارية الوظائف الضرورية، ويستفيدان من الخبرات المتراكمة، ويتجنبان الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه التفكيك الشامل أثناء الحرب. وتشمل العملية توحيد سجلات الأفراد، وضبط الرواتب والتمويل، واعتماد قواعد متسقة للتدريب والترقية والانضباط.
- استعادة معنى الرتبة وقيمة الكفاءة
وتبدأ المعالجة بتحديد احتياجات المؤسسة، ثم اختيار المؤهلين لحمل مسؤولياتها. فلكل موقع، من قيادة الفصيلة إلى الكتيبة واللواء، متطلبات واضحة؛ ولا يستقيم إنشاء وحدات لمجرد توفير مناصب لأصحاب الرتب العالية.
ولهذا نحتاج إلى مراجعة مهنية وقانونية لملفات الخدمة والترقيات، بمعايير تسري على الجميع، وضمانات تمنع تضارب المصالح وتكفل التظلّم. وتُميَّز سلامة منح الرتبة عن أهلية صاحبها لمنصب محدد، مع الاعتراف بالخبرة الميدانية الحقيقية واستكمالها بالتأهيل.
- تضحيات تثمر دولة جديرة بالثقة
تكتسب هذه الخطوات صدقيتها حين تتضح مسؤوليات تنفيذها، ويستطيع الناس متابعة أثرها، وحين تسري المعايير على القيادات قبل الأفراد، ويطمئن المنتسب إلى أن حقوقه وكرامته ومستقبله تكفلها المؤسسة.
ويمكن لباب العفو الذي أعلنه الرئيس، متى استُكملت إجراءاته، أن يساعد على خفض العنف والعودة إلى الحياة المدنية. أما الالتحاق بالقوات المسلحة والأمن فيبقى خاضعًا لمعايير مهنية فردية، تمنع انتقال التشكيلات بولاءاتها السابقة إلى داخل الدولة.










