> عدن «الأيام» العرب اللندنية:
تدخل المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين مرحلة أكثر نشاطاً مع إعلان وزارة الدفاع اليمنية تنفيذ 756 عملية عسكرية ضد أهداف تابعة للجماعة خلال ثلاثة أيام، قالت إنها أسفرت عن مقتل وإصابة 231 عنصراً حوثياً، إلى جانب مقتل أربعة خبراء إيرانيين.
وتعكس هذه الحصيلة، إذا تأكدت ميدانياً، اتساع نطاق العمليات وتكثيف الضغط على الجماعة في أكثر من جبهة.
لكن الأرقام التي أعلنتها الوزارة تظل، في غياب تحقق مستقل، جزءاً من الرواية العسكرية الحكومية للحرب. وتأتي في وقت تشهد فيه تعز ومأرب ومناطق أخرى مواجهات متصاعدة، مع إعلان القوات الحكومية عن عمليات جوية وبرية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات ومخازن أسلحة للحوثيين.
وتكتسب تعز أهمية خاصة في التصعيد الحالي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لارتباط جبهاتها بالساحل الغربي والممرات المؤدية إلى مناطق البحر الأحمر. وتقول القوات الحكومية إنها كثفت عملياتها في مناطق عدة من المحافظة، بينها الوازعية ومواقع في الشرق والجنوب والشمال الغربي، بالتزامن مع قصف مدفعي ومحاولات لمنع تسلل الحوثيين.
ويأتي ذلك في سياق ميداني أكثر تعقيداً، بعدما تمكن الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة من تحقيق مكاسب ميدانية في مناطق استراتيجية، بينها مدينة المخا ومحيط باب المندب، وفق تقارير حديثة.
وأدى اتساع القتال منذ يوليو إلى نزوح نحو 130 ألف شخص، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية وقف تقدم الحوثيين واستعادة مناطق فقدتها.
من هذه الزاوية، لا تبدو عملية الإعلان عن 756 ضربة أو عملية مجرد حصيلة عسكرية، وإنما رسالة سياسية وعسكرية أيضاً، مفادها أن القوات الحكومية تسعى إلى الانتقال من موقع الدفاع أمام التقدم الحوثي إلى محاولة استعادة زمام المبادرة.
غير أن كثافة العمليات لا تعني بالضرورة تغيراً سريعاً في ميزان السيطرة، خصوصاً في حرب طويلة أظهرت قدرة الحوثيين على استيعاب الضربات وإعادة الانتشار.
وتبرز في هذا السياق مسألة الدعم الإيراني التي تحاول الحكومة اليمنية وضعها في قلب خطابها العسكري. فقد أعلنت الوزارة مقتل أربعة خبراء إيرانيين خلال العمليات الأخيرة، بينما سبق أن تحدثت تقارير عن وصول عناصر من الحرس الثوري ومستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى مناطق خاضعة للحوثيين. وفي يوليو، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وأمنية أن عناصر من الحرس الثوري وصلوا إلى اليمن لتقديم الدعم والتدريب على أنظمة صاروخية جديدة، بينما نفت طهران دورها المباشر في الصراع اليمني.
ويمنح هذا الاتهام الحكومة اليمنية ورقة إضافية في تقديم المعركة باعتبارها مواجهة تتجاوز حدود الصراع الداخلي، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن قدرات حوثية صاروخية ومسيرة تهدد الملاحة والطيران في البحر الأحمر. وفي اليومين الأخيرين، قالت القوات الحكومية إن الحوثيين يستخدمون أسلحة دفاع جوي إيرانية جرى تحويلها إلى صواريخ جوالة، محذرة من مخاطرها على الطائرات المدنية والمسارات الجوية الدولية. وهذه المزاعم لم تخضع حتى الآن لتحقق مستقل.
وتتزامن هذه التطورات مع تحول باب المندب والبحر الأحمر إلى جزء أساسي من الحسابات العسكرية في اليمن. فالجماعة التي تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها باتجاه الملاحة الإقليمية تواجه في المقابل محاولة حكومية للضغط على خطوط إمدادها ومواقع انتشارها في الساحل الغربي وتعز.
لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى حول قدرة القوات الحكومية على تحويل التفوق في عدد العمليات إلى مكاسب جغرافية مستقرة.
فالحرب اليمنية لا تحسمها الضربات وحدها، بل تحتاج إلى قوات قادرة على تثبيت المواقع والسيطرة على خطوط الإمداد ومنع الخصم من إعادة تنظيم صفوفه.
كما أن اتساع المواجهات يرفع الكلفة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً.
وفي المقابل، فإن استمرار التصعيد قد يدفع الحوثيين إلى توسيع استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة أو نقل المواجهة إلى مناطق جديدة، خصوصاً إذا شعرت الجماعة بأن خطوطها في تعز والساحل الغربي تتعرض لضغط متزايد.
ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون اختباراً لما إذا كانت العمليات الحكومية تمثل حملة محدودة لوقف التقدم الحوثي، أم بداية مسار عسكري أطول يسعى إلى إعادة رسم خريطة السيطرة.
وبينما تتحدث الحكومة عن مئات العمليات خلال أيام، لا تزال الصورة الميدانية النهائية غير مكتملة. فالطرفان يقدمان روايات متباينة عن حجم الخسائر والسيطرة على الأرض، ولا توجد حتى الآن مؤشرات مستقلة كافية تسمح بتحويل الأرقام المعلنة إلى حكم نهائي على اتجاه الحرب.
ومع ذلك، فإن عودة الجبهات إلى هذا المستوى من النشاط تفتح سؤالاً يتجاوز حصيلة القتلى والضربات: هل تستطيع القوات الحكومية تحويل كثافة عملياتها إلى تغيير فعلي في موازين الجبهات، أم أن الحوثيين سيستوعبون التصعيد ويعيدون إنتاج المواجهة على خطوط جديدة؟







