ليست أصعب لحظات الإنسان حين يجهل الحقيقة، بل حين يعرفها جيدًا ثم يكتشف أن الاعتراف بها قد يكلفه شيئًا.
تختصر العبارة المتداولة.. يصعب عليك قول الحق إذا كنت مستفيدا من الباطل.. واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية حضورًا في حياتنا؛ فالمبادئ تبدو سهلة ما دامت لا تتعارض مع مصالحنا، لكن اختبارها الحقيقي يبدأ عندما يصبح قول الحقيقة تهديدا لمكسب أو مكانة أو علاقة أو امتياز اعتدنا عليه.
فالإنسان قد يرفع صوته دفاعًا عن العدالة عندما يكون متضررًا من الظلم، لكنه قد يصبح أكثر صمتًا عندما يكون الظلم نفسه مصدرًا لفائدته. وقد ينتقد الفساد حين يقع ضده، ثم يتردد في مواجهته عندما يجد لنفسه منفعة في استمراره. وهنا لا تعود القضية مجرد خلاف في الرأي، بل تتحول إلى مواجهة داخلية بين ما نؤمن به وما نستفيد منه.
تكمن قوة هذه العبارة في أنها لا تتحدث عن الآخرين فقط، بل تضع كل واحد منا أمام سؤال شخصي.. هل أتمسك بالمبدأ لأنه مبدأ، أم لأن مصلحتي لم تتعارض معه بعد..!
إن أخطر أشكال التناقض ليس أن يخطئ الإنسان، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وإنما أن يعرف الخطأ ثم يبحث عن المبررات التي تسمح له بالاستمرار فيه. عندها يمكن للمصلحة أن تتحول تدريجيًا إلى غطاء للصمت، ويصبح الصمت بدوره شريكا في استمرار المشكلة.
وفي المجتمعات، تظهر هذه المعضلة بأشكال مختلفة؛ في العمل، وفي العلاقات، وفي الحياة العامة، وحتى في أبسط المواقف اليومية. قد يرى شخص تجاوزًا واضحا لكنه يفضل الصمت لأنه يخشى خسارة موقعه. وقد يعرف آخر أن قرارًا ما غير عادل، لكنه يدافع عنه لأنه يخدمه. ومع تكرار هذه المواقف، تصبح المصلحة قادرة على إعادة تعريف الأشياء في أعين أصحابها.. ما كان خطأً بالأمس يصبح اليوم ..ضرورة، وما كان ظلمًا يصبح ..ظرفا، وما كان فسادا يصبح ..تسوية.
لكن قول الحق لا يعني دائما الصدام، ولا يعني أن الإنسان يمتلك الحقيقة المطلقة. فقد يكون الاختلاف في وجهات النظر مشروعا، وقد تكون الوقائع نفسها بحاجة إلى التحقق. لذلك فإن النزاهة لا تتمثل في رفع شعار..أنا مع الحق، فحسب، وإنما في الاستعداد لمراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ، وعدم استخدام المصلحة الشخصية معيارا وحيدا للحكم على الصواب والخطأ.
ولعل أصعب امتحان للمبادئ هو أن تقف إلى جانب ما تؤمن بأنه صحيح حتى عندما لا يخدمك. ففي تلك اللحظة تحديدًا يتضح إن كان المبدأ قناعة حقيقية أم مجرد موقف يتغير بتغير المكاسب.
أما نسبة العبارة إلى تشي جيفارا، فتتداول على نطاق واسع باسمه، لكن تداولها بهذه الصياغة لا يكفي وحده لإثبات أنه قالها حرفيا. والأهم من اسم قائلها هو الفكرة التي تطرحها.. حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة، يصبح الصدق اختبارًا حقيقيًا للضمير.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأصعب.. هل أعرف الحق؟!، وإنما.. هل أستطيع أن أقوله عندما يكون الصمت في مصلحتي؟
فهناك، في المسافة الفاصلة بين المصلحة والمبدأ، تتحدد حقيقة الإنسان أكثر مما تتحدد في الكلمات التي يقولها عندما لا يخسر شيئًا.
تختصر العبارة المتداولة.. يصعب عليك قول الحق إذا كنت مستفيدا من الباطل.. واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية حضورًا في حياتنا؛ فالمبادئ تبدو سهلة ما دامت لا تتعارض مع مصالحنا، لكن اختبارها الحقيقي يبدأ عندما يصبح قول الحقيقة تهديدا لمكسب أو مكانة أو علاقة أو امتياز اعتدنا عليه.
فالإنسان قد يرفع صوته دفاعًا عن العدالة عندما يكون متضررًا من الظلم، لكنه قد يصبح أكثر صمتًا عندما يكون الظلم نفسه مصدرًا لفائدته. وقد ينتقد الفساد حين يقع ضده، ثم يتردد في مواجهته عندما يجد لنفسه منفعة في استمراره. وهنا لا تعود القضية مجرد خلاف في الرأي، بل تتحول إلى مواجهة داخلية بين ما نؤمن به وما نستفيد منه.
تكمن قوة هذه العبارة في أنها لا تتحدث عن الآخرين فقط، بل تضع كل واحد منا أمام سؤال شخصي.. هل أتمسك بالمبدأ لأنه مبدأ، أم لأن مصلحتي لم تتعارض معه بعد..!
إن أخطر أشكال التناقض ليس أن يخطئ الإنسان، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وإنما أن يعرف الخطأ ثم يبحث عن المبررات التي تسمح له بالاستمرار فيه. عندها يمكن للمصلحة أن تتحول تدريجيًا إلى غطاء للصمت، ويصبح الصمت بدوره شريكا في استمرار المشكلة.
وفي المجتمعات، تظهر هذه المعضلة بأشكال مختلفة؛ في العمل، وفي العلاقات، وفي الحياة العامة، وحتى في أبسط المواقف اليومية. قد يرى شخص تجاوزًا واضحا لكنه يفضل الصمت لأنه يخشى خسارة موقعه. وقد يعرف آخر أن قرارًا ما غير عادل، لكنه يدافع عنه لأنه يخدمه. ومع تكرار هذه المواقف، تصبح المصلحة قادرة على إعادة تعريف الأشياء في أعين أصحابها.. ما كان خطأً بالأمس يصبح اليوم ..ضرورة، وما كان ظلمًا يصبح ..ظرفا، وما كان فسادا يصبح ..تسوية.
لكن قول الحق لا يعني دائما الصدام، ولا يعني أن الإنسان يمتلك الحقيقة المطلقة. فقد يكون الاختلاف في وجهات النظر مشروعا، وقد تكون الوقائع نفسها بحاجة إلى التحقق. لذلك فإن النزاهة لا تتمثل في رفع شعار..أنا مع الحق، فحسب، وإنما في الاستعداد لمراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ، وعدم استخدام المصلحة الشخصية معيارا وحيدا للحكم على الصواب والخطأ.
ولعل أصعب امتحان للمبادئ هو أن تقف إلى جانب ما تؤمن بأنه صحيح حتى عندما لا يخدمك. ففي تلك اللحظة تحديدًا يتضح إن كان المبدأ قناعة حقيقية أم مجرد موقف يتغير بتغير المكاسب.
أما نسبة العبارة إلى تشي جيفارا، فتتداول على نطاق واسع باسمه، لكن تداولها بهذه الصياغة لا يكفي وحده لإثبات أنه قالها حرفيا. والأهم من اسم قائلها هو الفكرة التي تطرحها.. حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة، يصبح الصدق اختبارًا حقيقيًا للضمير.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأصعب.. هل أعرف الحق؟!، وإنما.. هل أستطيع أن أقوله عندما يكون الصمت في مصلحتي؟
فهناك، في المسافة الفاصلة بين المصلحة والمبدأ، تتحدد حقيقة الإنسان أكثر مما تتحدد في الكلمات التي يقولها عندما لا يخسر شيئًا.









