> هشام الشبيلي
يحكي أحمد في شهادته عن رحلة من العذاب والموت الذي خطفت حياة مئات النازحين في طريقهم إلى عدن بصوت يغالبه الذهول وهو يسترجع تفاصيل نزوحه "نزحنا من الخوخة نحو المخا، لكن حينما وصلنا إلى المخا قيل لنا لا مقام لكم هنا استكملنا طريقنا نحو ذباب وباب المندب، علنا نجد متسعًا للاستراحة والأمان".
داخل بيت من الصفيح والخشب في أحد المخيمات المتناثرة في محافظة مأرب بشرق اليمن تتقاسم ست أسر نازحة قادمة من غرب اليمن مساحة لا تكاد تتسع لأسرة واحدة، وصلوا بلا متاع، فاستقبلهم قريبهم عبدالله، وهو نفسه نازح من الحديدة يعيش منذ 10 سنوات في مأرب، وهكذا وجد نازح قديم نفسه مضافاً إلى نازحين جدد، في مشهد يتكرر داخل مخيمات النزوح منذ سنوات، أسر تفر بلا شيء لتنجو بأرواحها وتبدأ حياة جديدة وتترك كل شيء خلفها.
عن استضافته للعائلات النازحة يقول النازح عبدالله حسن "تواصلوا معي وهم في طريقهم إلينا، وأخبروني بأنهم قادمون ورحبت بهم وعند وصولهم جعلنا البيت مقراً لإقامة النساء والأطفال، فيما أستاذنا أحد الجيران لنستضيف الرجال عنده موقتاً إلى حين العثور على مأوى".
النزوح من الخوخة
عاش أحمد حسن سلسة ومحطات متواصلة من محطات النزوح بدأت في عام 2015 آخرها مغادرته لمديرية حيس بعدما استقر فيها ست سنوات هو وعائلته جراء التصعيد العسكري للحوثيين وسيطرتهم على عدد من مديريات الساحل الغربي لليمن.
دماء وأشلاء وموت بالجملة
يحكي أحمد في شهادته عن رحلة من العذاب والموت الذي خطفت حياة مئات النازحين في طريقهم إلى عدن بصوت يغالبه الذهول وهو يسترجع تفاصيل نزوحه "نزحنا من الخوخة نحو المخا، لكن حينما وصلنا إلى المخا قيل لنا لا مقام لكم هنا استكملنا طريقنا نحو ذباب وباب المندب، علنا نجد متسعًا للاستراحة والأمان".
استراحة لم تكتمل
في باب المندب، خيل للنازحين المنهكين أنهم وصلوا أخيرًا إلى ملاذ آمن ألقى المسافرون أثقالهم، واستكانت النساء بعد طول عناء، بعضهن يقضين حوائجهن، وأخريات يرضعن صغارهن، بينما انطلق الأطفال الذين أنهكهم الحصار في الحافلات كالطيور التي فتحت لها أبواب الأقفاص، يركضون في المساحات المفتوحة، لكن الصمت الناجم عن الاستراحة لم يدم طويلًا فجأة ضرب صاروخ باليستي أطلقته جماعة الحوثي، متساقطاً بين الأطفال وأمهاتهم بصورة مباشرة.
استهداف فرق الإنقاذ
ولم تكد الاستغاثات تتعالى بين الدخان والذهول، مع اندفاع الناجين يبحثون بين الركام والأرض المحروقة عن زوجة مفقودة أو أم أو طفل غائب، حتى حلت الفاجعة الثانية.
في لحظات باغتت المكان طائرة مسيرة متفجرة، لتهوي فوق رؤوس المنقذين وتضاعف من حجم الكارثة، حاصدة أرواح العشرات من الرجال الذين هرعوا للمساعدة.
يصف أحمد المشهد "جثث ببطون ممزقة وأمعاء خارجة، أطراف ورؤوس مبتورة ومترامية في كل اتجاه. اختلطت دماء الأطفال بالأمهات في مشهد لا يمكن أن تمحوه الأيام".
طفل في حفرة الانفجار
وسط هذا الركام والبشاعة، بقيت صورة واحدة محفورة في ذاكرة الحاج الستيني، طفل صغير سقط في الحفرة العميقة التي أحدثها انفجار الصاروخ في الأرض.
تلاشى كل من حول الطفل وتطايرت أجساد ذويه، بينما كان الصغير يحبو ببطء على أيديه يحاول صعود جدار الحفرة الترابي وينزلق ويعاود المحاولة.
انتبه أحد المنقذين الذي يشارك في عملية الإنقاذ للطفل المتروك في قاع الحفرة، فنزل وانتشله وقام ينادي "ابن من هذا وجاءه الرد لقد قتل أبوه وأمه ولم يعد له أحد".
القانون الدولي واستهداف المدنيين
في تعليق قانوني على الشهادة التي تحدث بها النازح وشاهد العيان حول استهداف النازحين في باب المندب، وصف المحامي المتخصص في القانون الدولي، الدكتور عبدالمجيد مراري، التفاصيل الواردة بالـ"مروعة"، مؤكدًا أنها تعكس واقعًا أليمًا وتكشف فداحة الجرائم المرتكبة في حق المدنيين العزل من النساء والأطفال، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا وتقطيع للأطراف وتمزق للأجساد وتكشف فضاعه الجريمة التي ارتكبتها جماعة الحوثي ومقاتلي الحوثيين في حق المدنيين.
التكييف القانوني والمسؤولية الجنائية
وشدد المتخصص الدولي على "أن جميع المدنيين نساءً وأطفالًا ورجالًا مشمولون بالحماية الكاملة بموجب أحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وأن استهدافهم أو زجهم في الأعمال العدائية يرقى بصورة مباشرة إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
المسارات القضائية المتاحة
وحول آليات الملاحقة القضائية، أشار مراري إلى أن التوجه نحو محكمة الجنايات الدولية يواجه عقبات إجرائية معقدة في الوضع الحالي، نظراً إلى أن الأطراف المتنازعة ليست أعضاءً في المحكمة، إضافة إلى أن الجماعات المسلحة لا تتمتع بصفة الدولة للتقاضي المباشر، مما يجعل التوجه نحو القضاء الوطني ذي الاختصاص العالمي (مثل القضاء الأوروبي) خيارًا أكثر فاعلية في الوقت الراهن.
أعداد النازحين
أفادت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، في أحدث تقرير لها صادر أمس الثلاثاء بتاريخ الـ22 من سبتمبر 2026، استمرار موجات النزوح القسري الناجمة عن التصعيد العسكري للحوثيين والقصف وتدهور الأوضاع الأمنية وارتفاع أعداد النازحين في 10 محافظات إلى أكثر من 169 ألف فرد وسط نداءات عاجلة للتدخل.
412 أسرة جديدة إلى مأرب
ووفقاً للبيانات الميدانية المحدثة سجلت مأرب 412 أسرة (2884 فردًا)، وتوزعت الأسر الوافدة الجديدة داخل مأرب على ثلاث مناطق رئيسة، بحسب تقرير الوحدة التنفيذية مدينة مأرب ومأرب الوادي وحريب، لكن الاستقرار في المدينة لا يعني بالضرورة حصول كل أسرة على مسكن مستقل فقد تكون حال الأسر التي وصلت كحال الأسر الخمس في مخيم القوز.
"اندبندنت عربية"









