> د. سعيد شرياف:
- من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنتاج (1)
فبناء المؤسسات ووضع القواعد لإدارة الموارد يظل ناقصًا إذا لم تتحول هذه الموارد إلى قدرة اقتصادية حقيقية.
امتلاك النفط والغاز، والثروة السمكية، والموانئ، والأراضي، والموقع الجغرافي، لا يعني بالضرورة امتلاك اقتصاد قوي. فقد تكون الدولة غنية بالموارد، لكنها تظل بحاجة إلى اقتصاد قادر على إنتاج السلع والخدمات، وتوفير فرص العمل، وخلق الدخل، والاستمرار عندما تتغير أسعار الموارد أو تتراجع عائداتها.
- الاقتصاد ليس حجم ما نملك
لكن الاقتصاد لا يقاس فقط بما نملك، بل بما نستطيع أن ننتج.
والثروة السمكية لا تتحول إلى قطاع اقتصادي قوي إذا اقتصر النشاط على الصيد وبيع الأسماك، بينما تبقى عمليات التصنيع والتعبئة والتخزين والنقل والتسويق خارج الاقتصاد المحلي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
ماذا نملك؟
بل:
ماذا نستطيع أن ننتج بما نملك؟
عندما يصبح المورد هو الاقتصاد
يمكن للموارد الطبيعية أن تكون مصدرًا مهمًا للدخل، لكنها تصبح مصدرًا لمشكلة اقتصادية عندما يعتمد الاقتصاد عليها بصورة مفرطة.
فعندما ترتفع أسعار النفط ترتفع الإيرادات، وعندما تنخفض تتراجع. وعندما يزيد الإنتاج تتحسن الموارد، وعندما يتراجع تضيق الخيارات.
وهنا يتحول المورد من وسيلة لبناء الاقتصاد إلى بديل عن الاقتصاد.
- اقتصاد منتج لا يعني مصانع عملاقة
فالإنتاج يمكن أن يكون في الزراعة، والصيد، والصناعة، والنقل، والخدمات، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والتجارة وغيرها.
المهم أن ينتج الاقتصاد قيمة حقيقية.
ولهذا فإن بناء الاقتصاد لا يعني أن تكون الدولة هي المنتج الرئيسي، بل أن تخلق البيئة التي يستطيع فيها الأفراد والشركات والمستثمرون أن ينتجوا ويبيعوا وينافسوا.
- الموقع الجغرافي: من ميزة طبيعية إلى ميزة اقتصادية
فالسواحل الطويلة، والموانئ، والقرب من طرق التجارة البحرية، كلها عناصر يمكن أن تساعد في بناء اقتصاد متنوع.
لكن الموقع وحده لا يكفي.
فوجود الميناء لا يعني تلقائيًا أن يصبح مركزًا تجاريًا. الميناء يحتاج إلى طرق، ومخازن، وأنظمة جمركية فعالة، وخدمات مالية وتأمينية، ونقل بري وبحري، ومناطق صناعية ولوجستية، وكفاءة في المناولة، وقواعد مستقرة يستطيع المستثمر الاعتماد عليها.
فالميناء، عندما تتوافر له الشروط المناسبة، يمكن أن يدعم شركات النقل، والمخازن، وخدمات الصيانة، ومراكز التوزيع، والمناطق الصناعية، وإعادة التصدير، والتعبئة والتجميع.
كم نشاطًا اقتصاديًا ولّد الميناء؟
وكم وظيفة وفر؟
وكم قيمة مضافة بقيت داخل الاقتصاد؟
وهذا هو الفرق بين إدارة أصل اقتصادي وبناء اقتصاد حول الأصل.
النفط والغاز: من استخراج الخام إلى بناء القيمة
ينبغي ألا نتعامل مع النفط والغاز باعتبارهما مجرد آبار تنتج وتصدر.
فقطاع الطاقة نفسه يمكن أن يفتح مجالًا للصناعة والخدمات والاستثمار، من خدمات الحفر والصيانة والهندسة، إلى النقل والتخزين والخدمات البحرية واللوجستية، والتدريب والسلامة والخدمات الفنية.
لكن هذا لا يعني أن كل صناعة مرتبطة بالنفط ستكون مجدية بالضرورة.
والقاعدة هنا بسيطة:
كلما أمكن خلق قيمة مضافة حقيقية من المورد، وكانت مجدية اقتصاديًا، ينبغي دراسة ذلك بجدية، بدل الاكتفاء ببيع المادة الخام.
فالمورد لا ينبغي أن يكون نهاية النشاط الاقتصادي، بل نقطة بداية لسلسلة أوسع من الإنتاج والخدمات.
وهنا ننتقل إلى سؤال آخر: كيف يمكن للبحر والزراعة والسياحة والصناعة، إلى جانب رأس المال الجنوبي في الداخل والخارج، أن تصبح مكونات فعلية لاقتصاد منتج؟
- من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنتاج (2)
البحر والثروة السمكية: قطاع متكامل
الأمر نفسه ينطبق على الثروة السمكية.
إذا اقتصر النشاط على الصيد وبيع الأسماك في صورتها الأولية، فإن جزءًا من القيمة الاقتصادية يتحقق في مراحل لاحقة.
وهذه الفكرة تنطبق على كثير من الموارد:
- السياحة: تحويل المكان إلى منتج اقتصادي
فالسواحل والجزر والجبال والأودية والمدن التاريخية والتراث المعماري والثقافي والبيئة البحرية والتنوع الطبيعي يمكن أن تشكل أساسًا لقطاع سياحي حقيقي إذا توافرت البيئة المناسبة.
كما يمكن أن تكون مجالًا مناسبًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
السياحة تحتاج إلى أمن، وبنية تحتية، ونظافة، وحماية للمواقع الطبيعية والتاريخية، وخدمات جيدة، وقواعد واضحة للاستثمار.
- الزراعة والصناعة: البناء بالتراكم
فالمزارع جزء من سلسلة اقتصادية تبدأ بالمستلزمات والبذور والري، ثم الإنتاج والتخزين والنقل، وصولًا إلى التصنيع الغذائي والتعبئة والتسويق والتصدير.
السؤال هو:
ما الذي تستطيع كل منطقة إنتاجه بكفاءة؟
ثم تُبنى حوله الأنشطة الاقتصادية المناسبة.
والشيء نفسه ينطبق على الصناعة.
فالاقتصاد لا يُبنى بقفزة واحدة، وإنما بالتراكم.
- رأس المال الجنوبي في الداخل والخارج
ويمثل هؤلاء، إلى جانب رأس المال المحلي، إمكانات اقتصادية يمكن أن تسهم في بناء المستقبل.
فمن بنى مشروعًا ناجحًا في الخارج لن يضع أمواله في مشروع داخل الجنوب لمجرد أنه مشروع وطني.
هو يحتاج إلى أن يعرف:
من يحمي استثماره؟
كيف تُسجل الشركة؟
كيف يحصل على الأرض والترخيص؟
كيف تُحمى العقود؟
كيف تُحل النزاعات؟
وهل القواعد مستقرة؟
لذلك فإن جذب رأس المال الجنوبي لا يكون بالمناشدات وحدها، وإنما ببناء الثقة والمؤسسات.
والأهم أن العودة لا ينبغي أن تكون عودة للمال فقط، بل عودة للخبرة أيضًا.
وهكذا يصبح المغترب جسرًا بين الاقتصاد المحلي والخبرة ورأس المال والأسواق.
- من التحويلات إلى الاستثمار
لكن هذا لن يحدث دون ثقة.
- تنويع الاقتصاد لا يعني إلغاء النفط
يمكن استخدام عائدات الموارد في تمويل البنية التحتية والتعليم والطاقة والمياه والقطاعات الإنتاجية، وفي إنشاء أصول واستثمارات تولد دخلًا في المستقبل.
فالمشكلة ليست في وجود النفط، وإنما في أن يصبح وجوده سببًا لعدم بناء شيء آخر.
- الطاقة والمياه: أساس أي اقتصاد
المصنع يحتاج إلى كهرباء، والمزرعة تحتاج إلى الطاقة للري والتبريد، والميناء يحتاج إليها، وكذلك المستشفى والمدرسة والشركة.
والماء كذلك قضية اقتصادية، لا خدمية فقط.
كيف نعرف أننا نجحنا؟
يمكن وضع عشرات المؤشرات الاقتصادية، لكن المواطن يريد أن يرى أثرها في حياته.
هل زادت فرص العمل؟
هل أصبح إنشاء المشروع أسهل؟
هل انخفضت كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي؟
هل زادت الصادرات؟
هل نشأت صناعات جديدة؟
هل تحسنت الإنتاجية؟
هل ارتفع دخل الأسر؟
هل أصبح الاقتصاد أقل اعتمادًا على مورد واحد؟
وهل أصبح الشباب أكثر قدرة على اكتساب المهارات التي يحتاج إليها السوق؟
هذه الأسئلة تقيس الاقتصاد من خلال نتائجه، لا من خلال حجم الأموال التي تمر عبره.
من الثروة إلى رأس المال
هنا نصل إلى الفكرة الأساسية.
الثروة الطبيعية مورد يمكن أن ينضب، لكن رأس المال الذي نبنيه منها يمكن أن يستمر.
إذا استُخرج النفط ثم أُنفق إيراده كله، انتهى أثره بانتهاء الإيراد. أما إذا تحول جزء من عائداته إلى طرق وموانئ وطاقة وتعليم ومهارات وشركات واستثمارات إنتاجية، فإنه يمكن أن يواصل إنتاج القيمة حتى بعد انخفاض المورد.
وهكذا تتحول الثروة من مورد ينضب إلى قدرة اقتصادية تتراكم.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية:
ليس كم استخرجنا؟
وليس كم أنفقنا؟
بل:
كم قدرة جديدة على الإنتاج بنينا؟
- الجنوب الذي نريد
اقتصاد تكون فيه الموانئ جزءًا من شبكة تجارية، والبحر مصدرًا لصناعة متكاملة، والزراعة أساسًا لسلاسل إنتاج غذائي، والصناعة مجالًا للقيمة المضافة، والسياحة قطاعًا اقتصاديًا حقيقيًا، والنفط والغاز أساسًا لصناعات وخدمات مرتبطة بهما حيث تكون مجدية.
وفي هذا الاقتصاد لا يكون نجاح الدولة في مقدار ما تستخرجه فقط، وإنما في مقدار ما تستطيع أن تبنيه حول ما تستخرجه.
- السؤال الذي يجب أن نبدأ منه
فالظروف السياسية والأمنية والإقليمية تؤثر فيه، والأسواق والتكنولوجيا واحتياجات الناس تتغير.
لكن يمكن تحديد المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها: اقتصاد متنوع ومنتج، منفتح على التجارة، يشجع الاستثمار، يدعم القطاع الخاص، يستثمر في الإنسان، يضيف قيمة إلى الموارد، ويستخدم الموقع الجغرافي بكفاءة، ويستفيد من رأس المال والخبرة الموجودة لدى أبناء الجنوب في الداخل والخارج.
فالهدف ليس أن نستبدل اقتصاد النفط باقتصاد آخر قائم على مورد واحد، بل أن نصل إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على مورد واحد وأكثر اعتمادًا على الإنتاج والمعرفة والمهارات ورأس المال.
إذا كانت الثروة التي نملكها اليوم محدودة أو قابلة للتراجع، فما الاقتصاد الذي سنبنيه قبل أن يحدث ذلك؟
فالنفط قد ينخفض، والأسعار قد تتغير، والموارد قد تنضب.
ولهذا فإن بناء الاقتصاد ليس مرحلة تأتي بعد بناء الدولة.
فالدولة التي تملك الموارد قد تكون غنية، لكن الدولة التي تستطيع تحويل مواردها إلى إنتاج ومعرفة وفرص عمل ورأس مال مستدام هي التي تستطيع أن تبني مستقبلًا.
ما المؤسسات الاقتصادية التي نحتاجها حتى يعمل هذا الاقتصاد بكفاءة، ويعرف المستثمر حقوقه، ويعرف المواطن فرصه، وتعرف الدولة دورها وحدودها؟
وإنما في مقدار ما تستطيع أن تبنيه حول ما تستخرجه.
ربما لا يستطيع أحد أن يحدد اليوم الشكل النهائي للاقتصاد الجنوبي.
فالظروف السياسية والأمنية والإقليمية تؤثر فيه، والأسواق والتكنولوجيا واحتياجات الناس تتغير.
لكن يمكن تحديد المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها: اقتصاد متنوع ومنتج، منفتح على التجارة، يشجع الاستثمار، يدعم القطاع الخاص، يستثمر في الإنسان، يضيف قيمة إلى الموارد، ويستخدم الموقع الجغرافي بكفاءة، ويستفيد من رأس المال والخبرة الموجودة لدى أبناء الجنوب في الداخل والخارج.
فالهدف ليس أن نستبدل اقتصاد النفط باقتصاد آخر قائم على مورد واحد، بل أن نصل إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على مورد واحد وأكثر اعتمادًا على الإنتاج والمعرفة والمهارات ورأس المال.
إذا كانت الثروة التي نملكها اليوم محدودة أو قابلة للتراجع، فما الاقتصاد الذي سنبنيه قبل أن يحدث ذلك؟
فالنفط قد ينخفض، والأسعار قد تتغير، والموارد قد تنضب.
لكن الإنسان الذي تعلم، والشركة التي نشأت، والميناء الذي أصبح مركزًا للتجارة، والمصنع الذي ينتج، والاستثمار الذي جاء من الداخل أو من أبناء الوطن في الخارج، والمشروع الذي كبر، والبنية التحتية التي بُنيت، والمهارة التي اكتسبها الشباب، كلها يمكن أن تبقى.
إنه جزء من بناء الدولة نفسها.
فالدولة التي تملك الموارد قد تكون غنية، لكن الدولة التي تستطيع تحويل مواردها إلى إنتاج ومعرفة وفرص عمل ورأس مال مستدام هي التي تستطيع أن تبني مستقبلًا.
ما المؤسسات الاقتصادية التي نحتاجها حتى يعمل هذا الاقتصاد بكفاءة، ويعرف المستثمر حقوقه، ويعرف المواطن فرصه، وتعرف الدولة دورها وحدودها؟









