> «الأيام» العرب:

رفعت مصر سقف خطابها بشأن أمن البحر الأحمر، في مؤشر على أن اضطراب الملاحة لم يعد بالنسبة إلى القاهرة ملفًا إقليميًا يمكن التعامل معه من موقع المراقب، وإنما أصبح قضية تمس مباشرة الاقتصاد المصري وأمن قناة السويس.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يتحول الوجود الحوثي القوي على الساحل الغربي لليمن إلى واقع طويل الأمد يؤثر في أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى القناة.

وفي أحدث إشارات هذا التحول، شدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال لقاءات واتصالات مع القيادة السعودية، على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية، مؤكدًا أن دعم أمن واستقرار الدول العربية يمثل ثابتًا في السياسة الخارجية المصرية. وفي لقاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، اتفق الجانبان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

وتحمل هذه اللغة وزنًا خاصًا بالنسبة إلى القاهرة. فقناة السويس تمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر، وأدى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر إلى خسائر كبيرة في إيراداتها.

وكان السيسي قد قال في مايو إن مصر خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات القناة خلال العام السابق بسبب تداعيات الحرب في غزة وهجمات الحوثيين على الملاحة، في وقت كانت فيه حركة السفن تتراجع نتيجة لجوء شركات شحن إلى طرق بديلة حول رأس الرجاء الصالح.

ولم تكن الأزمة مجرد خسارة مؤقتة في الإيرادات. فقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن أي اضطراب طويل في البحر الأحمر يمكن أن يعيد رسم حسابات شركات النقل والطاقة، ويمنح طرقًا بديلة حول أفريقيا وزنًا أكبر على حساب قناة السويس. ولذلك فإن عودة جزء من حركة الملاحة إلى القناة لا تعني أن الخطر الاستراتيجي انتهى، خصوصاً مع استمرار التوترات في المنطقة.

وتحاول القاهرة في الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة في اليمن. فالموقف المصري ظل يقوم على الدعوة إلى حماية الملاحة ورفض التصعيد، مع التأكيد على أن الحل السياسي للأزمة اليمنية هو الطريق الأكثر استدامة. وهذا يفسر حرص القاهرة على عدم تحويل خطابها بشأن أمن البحر الأحمر إلى إعلان عن انخراط عسكري جديد ضد الحوثيين.

لكن معادلة المخاطر تتغير إذا أصبح الحوثيون قوة بحرية دائمة على الساحل المقابل لباب المندب. فالجغرافيا تجعل أمن المضيق مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن قناة السويس، حتى إذا كانت المسافة بينهما مئات الكيلومترات. وأي قدرة مستقرة لجماعة مسلحة على تهديد السفن أو التأثير في حركة التجارة تمنحها ورقة يمكن استخدامها في أزمات إقليمية متعددة.

وهنا تلتقي الحسابات المصرية والسعودية. فالمملكة تمتلك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر وموانئ ومشاريع اقتصادية وسياحية مرتبطة بالمنطقة، بينما تعتمد مصر على قناة السويس باعتبارها ممرًا رئيسيًا للتجارة العالمية. ولذلك فإن أمن باب المندب لا يمثل مصلحة يمنية أو سعودية فقط، وإنما يقع عند تقاطع مصالح خليجية ومصرية ودولية.

كما أن القاهرة لديها مصلحة في الحفاظ على علاقاتها مع أطراف مختلفة في المنطقة. ولهذا فإن رفع سقف الخطاب بشأن الملاحة لا يعني بالضرورة قطع قنوات الاتصال مع إيران أو الحوثيين، بقدر ما يعكس محاولة لإيصال رسالة مفادها أن حرية الملاحة ليست ملفًا قابلًا للمساومة عندما تتصل مباشرة بقناة السويس والاقتصاد المصري.

وتكشف التطورات الأخيرة أن مصر باتت تنظر إلى البحر الأحمر من زاوية أكثر ارتباطًا بأمنها القومي. فالممر الذي يصل المحيط الهندي بالمتوسط ليس مجرد طريق تجاري، وإنما جزء من منظومة اقتصادية وجيوسياسية تبدأ من باب المندب ولا تنتهي عند قناة السويس.

وبذلك تبدو مصر أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تسعى إلى حماية قناة السويس واستعادة حركة الملاحة التي تراجعت خلال السنوات الماضية، ومن جهة أخرى تحاول تجنب توسيع دائرة الصراع الإقليمي. وبين هذين الهدفين، يصبح رفع سقف الخطاب بشأن أمن البحر الأحمر وسيلة للضغط السياسي وتثبيت المصالح المصرية، أكثر منه إعلانًا عن تغيير عسكري في السياسة تجاه اليمن والحوثيين.