في مقالنا السابق «اليمن واليوم التالي» دعونا إلى الاستعداد من الآن لما بعد هزيمة الحوثي عسكريًا، حتى لا يتحول النصر إلى فراغ أو صراع جديد.
لذلك لا نريد أن ينتهي الحوثي فتعود الأسباب التي مهدت لظهوره، ولا أن تتغير الأسماء والرايات وتبقى قواعد النفوذ كما هي.
ومن هنا تكتسب الحوارات التي دعونا إليها معنى أعمق. فحوار الرياض الجنوبي فرصة لبناء نموذج عادل داخل الجنوب، تكون فيه محافظاته شريكة في السلطة والثروة والقرار. والحوار الشمالي الذي ينبغي أن يتبعه لا يكون للبحث عمن يرث صنعاء، بل لبناء نموذج عادل بين محافظاته يمنع احتكار الدولة من جديد.
وبناء الدولة يقتضي أيضاً معالجة السلاح ومراكز النفوذ، بما فيها النفوذ القبلي والسياسي، لا بإلغاء مكونات المجتمع، بل بجعل الجميع تحت سقف الدولة والقانون. فكلما أصبحت الدولة عادلة وقادرة، تراجعت الحاجة إلى السلاح والولاءات الخاصة.
والأهم هو استعادة ثقة المواطن بالدولة. فعندما يحصل على حقه دون واسطة، وعلى فرصته بالكفاءة، وعلى الحماية بالقانون، ويخضع القوي والضعيف للمساءلة، يبدأ الانتقال الحقيقي من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.
أما العلاقة مع الجوار، فينبغي أن تقوم على المصالح والأمن والاستقرار المتبادل؛ فيكون استقرار اليمن مصلحة لجيرانه، واستقرار الجوار مصلحة لليمن، بدلاً من أن يبقى اليمن ساحة لتصارع الأجندات.
وهذا هو جوهر اليوم التالي الذي نتحدث عنه.
لا سلاح فوق القانون،
ولا زعيم فوق المؤسسة،
ولا ممول فوق القرار الوطني،
ولا محافظة تهيمن على أخرى،
ولا مركز يحتكر الدولة.
هزيمة الحوثي تنهي سلطة مسلحة، أما الانتصار الأكبر فهو بناء دولة تمنع ظهور حوثي آخر باسم أو راية أو منطقة أخرى.
فالغاية ليست تغيير من يملك القوة، بل بناء دولة عادلة للجميع، تكون أقوى من مراكز القوة ولا يستطيع أحد اختطافها من جديد.
* نائب وزير الخارجية الأسبق









