دخل الضيوف البيت، فنظروا بانبهار وتأملوا جمال الأثاث واتساع الغرف وأناقة التفاصيل. قال أحدهم:

ما أجمل هذا البيت..!!

وقال آخر: ما أفخمه..!!

أما صاحب البيت فلم يكن ينظر إلى ما ينظرون إليه. كانت عيناه معلّقتين بشقٍّ رفيع في زاوية الجدار. ربما استغربوا انشغاله به؛ فما قيمة خط صغير أمام كل هذا الجمال؟ لكنه كان يعرف ما لا يعرفه الزائر: أن الشقوق لا تُقاس بحجمها، بل بما يمكن أن يتسرّب منها، وأن البناء لا يسقط يوم نسمع صوت سقوطه، بل قد يبدأ سقوطه يوم رأينا أول شرخ وقلنا: إنه صغير.

والأسرة كذلك. قد نراها من الخارج جميلة؛ أبناء يدرسون، أب يعمل، أم تدير تفاصيل الحياة، صور سعيدة، مائدة عامرة، وسقف يجمع الجميع. لكن السؤال الأعمق ليس: كيف يبدو البيت؟ بل: ما الذي يتسرّب من شقوقه؟
قد تتسرّب المادية حتى يصبح الإنسان في البيت مُقدّرًا بما يملك، لا بما يحمل من فضائل. وتتسرّب الفردانية حتى يعيش خمسة أشخاص تحت سقف واحد، ولكل واحد منهم عالم لا يدخله الآخر. وتتشرّب الأنانية؛ فهناك من يفرض رأيه بالعنف على البقية، ويتسرّب التعصب حين نعلّم الطفل، ولو دون كلام، أن بعض الناس أقل استحقاقًا للمحبة بسبب اسمهم أو أصلهم أو اختلافهم. ويتسرّب الإهمال حين نؤجل التقدير والاحترام لأننا مشغولون، ثم نكتشف أن أبناءنا كبروا وهم يتحدثون إلى الجميع إلا إلينا.

وقد يتسرّب الخوف، والصراع، وانعدام الأمان، حتى يصبح البيت الذي خُلق ليكون أول مساحة يتعلم فيها الإنسان الثقة، أول مكان يتعلم فيه الحذر والخوف والصمت.
وفي اليمن، نحن أحوج ما نكون إلى التدقيق في هذه الشقوق الصغيرة.

ليس لأن الأسرة اليمنية فقدت جمالها، بل لأن البناء الذي تصفعه العواصف طويلًا يحتاج إلى عناية أكبر. فنحن لا نستطيع دائمًا أن نمنع الريح التي تضرب الجدران، لكننا نستطيع أن نسأل: ماذا نسمح لها أن تُدخل إلى بيوتنا؟

هل نورّث أبناءنا الخوف أم القدرة على الثقة؟

هل نسلّمهم سيف النزاع والجدال، وهم بأمس الحاجة إلى القلم وما يسطرون، هل نعلّمهم ثقافة «أنا والغريب»، أم نعلّمهم أبجدية التعايش والتماسك؟ هل نربيهم على النجاة منفردين، أم على أن سلامة الواحد مرتبطة بسلامة الجميع؟
فالأسرة ليست مكانًا نختبئ فيه من المجتمع؛ إنها المكان الذي يتكوّن فيه المجتمع من جديد كل صباح. على مائدة صغيرة قد يتعلم طفل معنى الإنصاف. وفي خلاف بين أخوين قد يتعلم كيف يختلف دون أن يهدم. ومن احترام الأب للأم، والأم للأب، يتشكل أول فهم للكرامة. ومن طريقة حديثنا عن الجار والمختلف والغريب، يرسم الطفل أول خريطة للعالم.

لهذا، ربما لا يحتاج اليمن فقط إلى أن نسأل كيف نعيد بناء ما تهدّم، بل كيف نحمي ما لم يتهدّم بعد؟ وأول ما يستحق الحماية هو ذلك البناء الصغير الذي نسميه الأسرة.

فالأوطان، مثل البيوت، لا يبدأ انهيارها دائمًا من الجدران الكبيرة؛ أحيانًا يبدأ من شقوق ظنها الجميع صغيرة.

وكل فرد منا مسؤول، لا ينتظر سقوط الجدار ليبحث عن البنّاء، بل يدقق ليرى الشق وهو ما يزال خيطًا رفيعًا، ويعرف أن العناية به اليوم قد تنقذ بيتًا كاملًا غدًا.
ودمتم بالمحبة.