تعز ليست مجرد مدينة تخوض معركة، ولا محافظة أضيفت إلى خارطة المواجهات في اليمن؛ تعز قصة وطن كاملة، وقلعة جمهورية دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن الحرية والدولة والهوية الوطنية.
هي المدينة التي تختصر اليمن بتنوعها وحضور أبنائها وعلمائها ومثقفيها وتجارها وطاقتها البشرية الهائلة. ومنها مرّ كثير من رجال الحركة الوطنية، وفي ذاكرتها تتقاطع تضحيات اليمنيين من أجل ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر.
واليوم تعود تعز إلى واجهة المواجهة، لا لأنها غابت يومًا عنها، ولكن لأن الهجمات الحوثية اتسعت على أكثر من محور، من غرب المحافظة وجنوبها إلى الجبهات المحيطة بالمدينة. وفي المقابل، يقف الجيش الوطني والمقاومة الشعبية وأبناء المناطق في مواجهة هذه الهجمات، في معركة تختلف في طبيعتها عن كثير من جبهات اليمن.
هذه الحقيقة مهمة لفهم ما يجري على الأرض.
الجغرافيا التعزية المعقدة، بما فيها من جبال وهضاب ووديان وقرى وطرق متشابكة، جعلت المواجهة موزعة على عدد كبير من المحاور. من مقبنة وجبل حبشي والكدحة غربًا، إلى سامع والأقروض وحيفان جنوبًا وشرقًا، وصولًا إلى الجبهات المحيطة بمدينة تعز؛ تتعدد ساحات الاشتباك، وتتغير طبيعة المواجهة من منطقة إلى أخرى.
ولهذا فإن قراءة معركة تعز من خلال خبر عاجل عن قرية هنا أو موقع هناك قد تكون قراءة ناقصة. إنها معركة واسعة ومتحركة، فيها كر وفر وضغط ومحاولات تسلل وهجمات متزامنة، وما يحدد مسارها ليس خبرًا منفردًا، بل قدرة القوات المدافعة عن المحافظة على الصمود والمحافظة على خطوطها وإمداداتها ومنع تحقيق اختراق استراتيجي.
- من الساحل إلى الجبال
ولا يمكن فصل ما يحدث اليوم في تعز عن التطورات التي شهدها الساحل الغربي وباب المندب.
فتعز بموقعها ليست جزيرة معزولة عن محيطها، وإنما عقدة جغرافية تصل المرتفعات بالساحل، وتربط طرقًا حيوية تمتد باتجاه لحج وعدن. ولهذا تكتسب المعارك في مناطق مثل حيفان والأقروض والأحكوم ومقبنة أهمية تتجاوز حدود القرية أو الجبل الذي تدور حوله المواجهة.
إنها معركة على الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد بقدر ما هي معركة على المواقع العسكرية.
وهنا تظهر قيمة المقاومة المحلية؛ فابن القرية يعرف جبالها ومسالكها ووديانها، ويعرف أن الدفاع عن منطقته ليس مجرد الدفاع عن منزل أو أرض، وإنما عن الطريق الذي يصل تعز ببقية الوطن، وعن جبهة إذا صمدت أسهمت في حماية مساحة أوسع بكثير من حدودها الجغرافية.
- تعز تعرف معنى هذه المعركة
تعز دفعت خلال سنوات الحرب أثمانًا ثقيلة، ولذلك يعرف أبناؤها جيدًا أن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بالسيطرة على تل أو قرية أو موقع عسكري.
المعركة بالنسبة لتعز مرتبطة بمستقبل المحافظة، وبطرقها واتصالها بالمناطق الأخرى، وبموقعها في معادلة اليمن السياسية والعسكرية، وبالدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة مشروع الحوثيين.
إنها معركة وطن.
- المعركة الأخرى.. الشائعة
- قلعة الجمهورية
إنها واحدة من المدن التي ارتبط اسمها بالحركة الوطنية والتعليم والثقافة والتجارة، وقدمت رجالًا ودماءً في محطات مفصلية من تاريخ اليمن.
واليوم يكتب أبناؤها فصلًا جديدًا من هذه الحكاية.
تعز اليوم لا تدافع عن حدود محافظة فقط.
ولهذا فإن واجب اللحظة هو إسناد الجيش الوطني والمقاومة، وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وتوفير احتياجات المقاتلين، وحماية المجتمع من الشائعة والمعلومة المضللة.
ومن تعز، مرة أخرى، تأتي الرسالة واضحة:
قد تشتد الهجمات وتتعدد الجبهات، لكن قلعة الجمهورية ما زالت تقاتل، وما زالت تقول إن اليمن الجمهوري أكبر من أن يُختصر في مشروع جماعة، وإن الأرض التي أنجبت رجال سبتمبر وأكتوبر تعرف جيدًا كيف تدافع عن جمهوريتها.












