​لم يكن التصريح الذي أطلقه الدكتور عبدالناصر الوالي، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيس كتلة وزراء المجلس في الحكومة، من الرياض، والمذيّل بعبارة «عدن - الرياض مؤقتًا»، مجرد رأي لوزير سابق، بل وثيقة سياسية وعسكرية مصغرة صيغت بعناية في توقيت بالغ الحساسية، وفي عاصمة القرار الإقليمي التي تُدار فيها أخطر ملفات المنطقة. فالوالي، حين يتحدث من الرياض ويوقّع بتلك الصيغة، يؤكد أن القرار جنوبي، وأن التنسيق إقليمي، وأن تواجده هناك يأتي في إطار التشاور السياسي المستمر، وأن ما يحمله إلى عدن هو تفاهمات وليست مجرد كلمات. 

والتوقيت الذي اختاره في الثاني من أكتوبر يتزامن مع حشد عسكري غير معلن في باب المندب والساحل الغربي، ومع جمود تام في مسار خارطة الطريق بين الرياض وصنعاء عبر مسقط، ومع حملة إعلامية منظمة حاولت أن تصوّر أن القوات في الجنوب منقسمة على نفسها، وأن هناك خلافًا بين ألوية العمالقة وقوات درع الوطن والقوات المسلحة الجنوبية، وأن هناك تباعدًا بين الفريق أول الركن عبدالرحمن المحرمي أبو زرعة والفريق الركن محمود الصبيحي المتواجدين في عدن.

وهنا تكمن الرسالة الجوهرية؛ فالوالي لم يُشِد بالرجلين اعتباطًا، بل جمع بينهما في جملة واحدة وفي مكان واحد، هو عدن، ليؤكد من الرياض أن القيادة الميدانية في العاصمة اليوم جنوبية خالصة. فأبو زرعة هو رمز المقاومة الجنوبية الحديثة والقوة الضاربة التي أثبتت قدرتها على مقارعة الحوثي من الساحل إلى شبوة، ومحمود الصبيحي هو ابن الصبيحة وابن لحج ورمز المؤسسة العسكرية الجنوبية الأصيلة الذي قاتل حتى آخر طلقة قبل أسره، واجتماعهما معًا في عدن في هذا التوقيت يعني أن الرياض نجحت في جمع جناحي القوة الجنوبية، جناح الثورة وجناح الدولة، في غرفة عمليات واحدة، وهذا بحد ذاته رسالة ردع للحوثي الذي كان يراهن على أن الانقسام الجنوبي سيمنع أي جاهزية قادمة.

وحين يقول الوالي من الرياض: «جنوب واحد.. قوات مسلحة واحدة»، فهو يشخّص واقعًا نعرفه جميعًا، بأن هناك تعدد تشكيلات على الأرض، لكنه يدعو إلى إنهاء هذا التعدد من عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، ومن كل شبر في الجنوب. وهذا هو بالضبط المشروع الذي تدفع به الرياض منذ أشهر؛ فلا يمكن تأمين باب المندب وخطوط الملاحة الدولية، ولا يمكن تأمين خاصرة كهبوب والصبيحة التي تشكل اليوم الجبهة الأكثر حساسية، لأنها الخاصرة الجنوبية للمضيق، بجيوش متعددة الولاءات. لهذا جاءت عبارة «حرب الصمود والتحرير الأخيرة» لتضع الجنوب بكل محافظاته، من المهرة شرقًا حتى باب المندب غربًا، أمام مسؤولية تاريخية؛ فالمعركة لم تعد دفاعًا عن جبهة بعينها فقط، بل هي جزء من معركة إقليمية لحماية الأمن القومي العربي الذي أكد الوالي أن الجنوب جزء لا يتجزأ منه.

أما عبارة «من فتن وشيطن الجنوبيين فقد أخطأ خطأً جسيمًا»، فهي رسالة داخلية حازمة موجهة إلى كل الأصوات التي كانت تشيطن درع الوطن وتصفه بغير حقيقته، وإلى الأصوات الأخرى التي كانت تشيطن القوات المسلحة الجنوبية وتصفها بغير حقيقتها. الوالي يقول للجميع من الرياض إن الهدف واحد، والعدو واحد، ومن يغرد خارج الاصطفاف يخدم الحوثي، سواء قصد أو لم يقصد. وكلمة «سنتوافق» التي وردت في التصريح هي المفتاح السياسي كله؛ فهي تعني أن هناك توافقًا قادمًا يتم صياغته الآن في الرياض، جنوبيًا - جنوبيًا أولًا، من عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، ثم توافقًا بين الجنوب والشرعية برعاية المملكة العربية السعودية.

باختصار، تصريح الوالي من الرياض ليس مجرد تعبئة معنوية، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة عنوانها الجيش الواحد والقرار الواحد والعدو الواحد، تطمين للرياض بأن الجنوب بكل محافظاته، من عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، معها، وردع للحوثي بأن الجنوب موحد، ورسالة للداخل بأن زمن التراشق انتهى، وأن عدن تُدار بقيادة جنوبية موحدة تمثل كل الجنوب.