​هناك أشياء تبدو جميلة من بعيد حتى تقترب منها.
قد ترى شعارًا يهتف بالكرامة، وصوتًا يتحدث عن العزة، ومشهدًا عسكريًا يثير الحماس، فتصفّق له من خلف شاشة آمنة.

لكن ماذا لو انطفأت الشاشة، ووجدت ذلك المشهد واقفًا أمام باب بيتك؟
ماذا لو استيقظت ذات صباح لتكتشف أن راتبك لم يعد يكفي خبز أيامك، وأن تجارتك أصبحت بابًا للجباية، وأن هاتفك لم يعد شأنًا خاصًا بك، وأن الطريق إلى عملك يمر عبر حاجز يسألك: من أنت؟ وماذا تقول؟ وإلى أين تذهب؟

ماذا لو صار الخوف رفيق أطفالك، وأصبحت المدرسة مكانا لتلقينهم ما تريد الجماعة أن يؤمنوا به، وتحولت طفولة بعضهم من حقيبة مدرسية إلى خطاب تعبئة وسلاح؟
حينها لن تسأل عن جمال الشعار ستسأل عن ثمنه.

وهذه هي المأساة التي لا يراها كثيرون من خلف الشاشات اليمني لم يعش هذه التجربة كشعار سياسي، بل عاشها في راتبه، وبيته، وطريقه، ومدرسته، ومسجده، وأمن أسرته، وفي تفاصيل حياته التي سرقها الخوف واحدة تلو الأخرى.

لذلك، لا تحاكم وجعًا لم تعشه من مقعد آمن.
اسأل اليمني لا عن الشعار الذي سمعه، بل عن الحياة التي فقدها تحته.

فحين تدخل المليشيا بيتك، لا يبقى الشعار شعارًا بل يصبح جدارًا بينك وبين حريتك، وبين أطفالك ومستقبلهم، وبينك وبين وطن كنت تظنه وطنك.
هذه ليست حكاية تُروى من خلف الشاشات ،إنها حياة يمنيين تُعاش كل يوم.
* رئيس شبكة محامون ضد الفساد