​في جنيف عام 2015، لم أكن خلف شاشة أكتب عن الحوثيين، ولا خلف مكتب أصدر بيانًا عن جرائمهم.
كنت هناك.

وقفت أمامهم، وقلت ما رأيته وما آمنت بأنه يجب أن يُقال، لأنني كنت أؤمن وما زلت أؤمن أن قضايا الشعوب لا تُدافع عنها الكلمات من بعيد فقط، بل بالموقف والشجاعة والحضور.

واليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب، يحق لنا أن نسأل:
ماذا فعلنا بكل تلك السنوات؟

إلى المسؤولين الذين يحملون اسم اليمن ويمثلونه في المحافل الدولية، وإلى المنظومة الإعلامية التي تلاحق كل لقاء وتصريح وتحوّله إلى «إنجاز تاريخي»:

ليس كل ظهور إنجازًا، ولا كل لقاء انتصارًا، ولا كل كلمة أمام الكاميرا موقفًا.

اليمني الذي يعيش الحرب لا يعيش على البيانات.
والأم التي فقدت ابنها لا تعنيها كثرة المؤتمرات.

والشاب الذي يبحث عن راتبه وبيته وأمانه لا يحتاج إلى خبر جديد عن اجتماع جديد.
الناس تريد نتيجة.

نعم، كشف جرائم الحوثيين للعالم مهم، والتوثيق والملاحقة السياسية والدبلوماسية مهمة، لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو:
أين الفعل الذي يغيّر حياة اليمنيين على الأرض؟

ومن يريد أن يقنع العالم بحجم المأساة اليمنية، فعليه أن يحمل هذه القضية بكل قوة إلى العالم، وأن يواجه الخصم بالحجة والوثيقة والموقف، لا أن يترك اليمني وحده يدفع ثمن الحرب بينما تتكرر الخطب والبيانات.

أما جيش التطبيل الإعلامي، فأقول له:
خففوا التصفيق قليلًا.

فالوطن الذي يعيش الحرب لا يحتاج إلى تضخيم كل تصريح، ولا إلى صناعة بطولات من خلف الشاشات.
لا تجعلوا من مجرد الحديث عن المعركة انتصارًا، ولا من الصورة أمام الكاميرا إنجازًا.

التاريخ لا يحاسب المسؤول بعدد المرات التي ظهر فيها على الشاشة، بل بما تركه على الأرض.

والسؤال الأكثر إيلامًا:
كيف تحسنت مواقع بعض المسؤولين ومساحات حضورهم خلال سنوات الحرب، بينما ضاقت حياة اليمنيين عامًا بعد عام؟
.
لا أتهم أحدًا بأنه أطال الحرب لمصلحة شخصية؛ لكن من حق المواطن أن يسأل عن النتائج، وأن يسأل لماذا طال هذا الطريق كل هذا الوقت.
فمن يتحمل المسؤولية العامة عليه أن يتحمل معها الأسئلة العامة.

أما الصحافة، فليست عدوًا للحكومة لأنها تسأل.
الصحافة التي تسأل هي آخر ما تبقى حين يصبح الصمت أسهل من المواجهة.

وفي جنيف، قبل سنوات، وقفتُ أمام الحوثي وقلت كلمتي.

واليوم أقولها للجميع:
واجهوا خصومكم كما تواجهون الصحافة: بالحجة والوثيقة والموقف.

أما البيانات وحدها، فلا توقف حربًا.
والتصفيق وحده، لا يبني دولة.

والشعارات وحدها، لا تعيد وطنًا.
جنيف 2015… كانت الكلمة موقفًا.
فمتى يصبح الموقف فعلًا؟.