بعد ما يقارب أثني عشر عامًا من الحرب والصراع والانقسام والهدن والمفاوضات والمبادرات والاتفاقيات والمسارات السياسية..أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي في الرابع من أكتوبر بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني.
هذا الإعلان لا يمكن قراءته باعتباره مجرد قرار عسكري..إنه في جوهره إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من إدارة الصراع اليمني بالطريقة التي سادت خلال السنوات الماضية..فمنذ أن توقفت المعارك الكبرى نسبيًا بعد هدنة 2022 نشأ مسار سياسي أممي كان يفترض أن يحول ذلك الهدوء إلى تسوية سياسية شاملة..وكانت الفكرة واضحة..تهدئة ثم إجراءات لبناء الثقة ثم خارطة طريق ثم وقف شامل لإطلاق النار ثم ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تقود إلى تسوية شاملة..لكن ماذا حدث؟..الهدوء استمر ولم تتحول الهدنة إلى سلام. والمفاوضات استمرت ولم تتحول إلى اتفاق نهائي..وخارطة الطريق بقيت إطارًا سياسيًا أكثر منها واقعًا سياسيًا. والمبعوث الأممي نفسه أقر بأن الجهود المبذولة لوضع خارطة طريق للتسوية تعثرت بعد التصعيد الإقليمي في 2023 ولم تتطور في النهاية إلى عملية سياسية.
وهنا يجب أن يكون السؤال أكثر عمقا..هل سقطت التسوية السياسية الشاملة؟ أم سقطت الصيغة التي كان يفترض أن تقود إليها؟.. الأرجح أن الذي سقط هو الرهان على أن استمرار الهدوء وحده يمكن أن ينتج سلاما وأن استمرار التفاوض يمكن أن يؤدي تلقائيا إلى تسوية وأن الوقت سيجعل الأطراف أكثر استعدادا لتقديم التنازلات.. فالوقت لم يكن محايدًا..نحو أثني عشر عامًا من الحرب لم تمر على اليمن واليمنيين دون أن تترك أثرًا..إطالة أمد الحرب أفرزت مراكز قوة جديدة..وأفرزت مصالح جديدة..وأفرزت طبقة من المستفيدين من استمرار الانقسام..وأعادت تشكيل التحالفات والمواقف..وغيرت أولويات القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية.
بل إن الحرب الطويلة نفسها أصبحت جزءا من المعادلة السياسية التي يفترض أن تنهيها..وهنا تكمن المفارقة الكبرى. كلما طال أمد التسوية المؤجلة أصبح الوصول إلى التسوية أصعب..وكلما طال بقاء الانقسام أصبحت إعادة بناء الدولة أكثر تعقيدا.. وكلما تأخر الحسم السياسي أو العسكري نشأت على الأرض حقائق جديدة تطالب بأن تكون جزءًا من أي تسوية قادمة.. ولهذا فإن إعلان العملية العسكرية لا يعني بالضرورة أن الحل السياسي قد مات.. لكنه يعني أن مرحلة الانتظار السياسي المفتوح قد انتهت.
وفي الوقت نفسه يجب ألا يتحول العمل العسكري إلى غاية بذاته.. فالهدف ليس استبدال حرب بحرب.. ولا نقل السيطرة من جماعة إلى جماعة..ولا إعادة إنتاج مراكز النفوذ بأسماء جديدة.. الهدف الذي يجب أن يحكم المرحلة هو استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها واحتكارها للسلاح وتهيئة الأرضية السياسية لتسوية يمنية حقيقية لا تسوية تفرضها موازين السلاح وحدها.. وهنا أيضا تبرز القضية الجنوبية بكل ثقلها..فأي حديث عن استعادة الدولة لا يستطيع تجاوز الأسئلة الجنوبية ولا يستطيع اختزالها في ترتيبات مؤقتة..واللافت أن الإعلان الرئاسي نفسه أبقى على الالتزام بالحوار الجنوبي الجنوبي والحل العادل والشامل للقضية الجنوبية..وهذا يعني أن المعركة العسكرية في تصورها المعلن ليست بديلًا عن السياسة وإنما محاولة لإعادة بناء الشروط التي يمكن أن تعمل فيها السياسة بصورة مختلفة.
فإذا كانت العملية العسكرية ستعيد الدولة إلى اليمن فليكن هدفها واضحا.









