> "الأيام" العربي الجديد:
لم تعد المعركة الدائرة في محافظة تعز محصورة في خطوط التماس التقليدية حول المدينة، وخاصة في الجبهة الشرقية والجبهة الغربية في الضباب والمطار القديم وجبل هان والدفاع الجوي، بل انتقلت خلال الأيام الأخيرة إلى مناطق ذات قيمة جغرافية وعسكرية واقتصادية كبيرة، أبرزها مدينة التربة ومحيطها جنوبي محافظة تعز، ومديرية ذوباب المطلة على مضيق باب المندب.
- التربة.. شريان تعز إلى الجنوب
تقع مدينة التربة في جنوب محافظة تعز، وهي مركز مديرية الشمايتين وأبرز حواضر منطقة الحجرية. وتبعد المدينة نحو 75 كيلومترًا عن مدينة تعز، وتقع ضمن النطاق الجغرافي لمديرية الشمايتين التي تبلغ مساحتها نحو 617.3 كيلومترًا مربعًا. وتتكون الشمايتين من عشرات المناطق والقرى، وتتميز بكثافة سكانية مرتفعة مقارنة بمناطق ريفية أخرى في المحافظة، كما تتمتع بمناخ أكثر اعتدالًا من كثير من المناطق اليمنية، وتنتشر فيها الأودية والمناطق الزراعية والأسواق المحلية.
- التحديثات الحية
ولا تقتصر أهمية التربة على موقعها الحالي. فالمنطقة ارتبطت تاريخيًا بالحركة السياسية والثقافية اليمنية، وبرز منها عدد من الأدباء والسياسيين والمثقفين، فيما تشتهر منطقة الحجرية عمومًا بإسهامها في الحركة الوطنية ومقاومة الحكم الإمامي والاستبداد.
اقتصاديًا، يمثل موقعها على الطريق بين تعز والجنوب أحد أهم عناصر قوتها، ولذلك فإن السيطرة عليها، أو حتى قطع الطرق المحيطة بها، لا تعني السيطرة على مدينة فحسب، وإنما الضغط على شبكة الإمداد والحركة المدنية والعسكرية بين تعز والمناطق الجنوبية.
في مساء 4 أكتوبر، تحدثت مصادر لوسائل إعلام محلية عن دخول مقاتلين حوثيين إلى مدينة التربة بعد معارك في الصافية والسمسرة والمركز والبيرين، وقالت تلك المصادر إن الجماعة سيطرت على المدينة وعلى أجزاء من الطريق الرئيسي المؤدي إلى تعز. لكن في المقابل، أعلنت القوات الحكومية، اليوم الاثنين، استعادة المبادرة في عدد من محاور تعز، بينما لم تؤكد المصادر الرسمية المستقلة بصورة تفصيلية الوضع داخل كل أحياء التربة.
وكانت السلطات الحكومية قد أكدت قبل التصعيد، في سبتمبر الماضي، استمرار انتشار الأجهزة الأمنية في المدينة، كما كانت قد عملت على تعزيز جاهزية قوات الأمن في الشمايتين. وبالتالي، لا يمكن الجزم، حتى لحظة كتابة هذه السطور، بأن الحوثيين يسيطرون سيطرة مستقرة على كامل مدينة التربة.
وفي الإطار، قالت مصادر ميدانية إن الحوثيين نجحوا في زرع خلايا نائمة في وقت سابق داخل المدينة، ومع سيطرة الجماعة على الصافية والسمسرة والمركز، خرجت هذه الخلايا لترديد الصرخة داخل أحياء مدينة التربة. وأضافت المصادر أن المدينة شهدت اشتباكات بين الحوثيين والقوات الحكومية، وأن الأخيرة استطاعت محاصرة الحوثيين في مربعات معينة ويجرى التعامل معهم".
ما هو مؤكد أن المدينة ومحيطها دخلا خلال الساعات الماضية في دائرة القتال، وأن الصافية والطريق الواصل بين تعز والجنوب شهدا تطورات ميدانية كبيرة. كما أن الحكومة أعلنت، بالتزامن مع ذلك، الانتقال إلى مرحلة الهجوم الواسع. وهذه نقطة مهمة لفهم المعركة: حتى لو تغيرت السيطرة على نقاط أو أحياء داخل التربة خلال ساعات، فإن المعركة الأساسية تدور حول الطريق والشبكة الجغرافية المحيطة بالمدينة أكثر مما تدور حول مركز المدينة وحده.
- ذوباب..المعركة التي اتجهت إلى باب المندب
إذا كانت التربة تمثل حلقة الوصل البرية، فإن ذوباب تمثل الحلقة البحرية والاستراتيجية الأهم في المعركة الجديدة؛ إذ تقع المديرية في أقصى جنوب غرب محافظة تعز، على مقربة من مضيق باب المندب، الذي يفصل البحر الأحمر عن خليج عدن والمحيط الهندي.
ويمنحها هذا الموقع قيمة تتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها تتحكم في منطقة ساحلية وطرق برية ومواقع يمكن استخدامها للتأثير في حركة القوات والإمدادات باتجاه المخا ومضيق باب المندب.
واليوم، أعلنت القوات الحكومية بدء عملية "فجر اليمن" على نطاق واسع، وقال الناطق باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي إن قوات العمالقة ودرع الوطن نفذت عملية التفاف للسيطرة على باب المندب، وإنها تمكنت من السيطرة على المنطقة وعلى مطار ذوباب العسكري، كما قطعت الطريق بين ذوباب والمخا وفرضت عليه سيطرة نارية. وأضاف النزيلي أن مئات من الحوثيين أصبحوا محاصرين في ذوباب، فيما تحدث عن فرار بعضهم عبر البحر.
وبحسب الرواية العسكرية الحكومية، لم يكن الهجوم مجرد تقدم مباشر من محور واحد، وإنما اعتمد على الالتفاف والسيطرة على المواقع التي تتحكم في باب المندب وطرق الحركة حول ذوباب، مع تأمين جبل كهبوب الاستراتيجي والمطل على الساحل الغربي. وتقول البيانات العسكرية إن قوات ألوية العمالقة وقوات درع الوطن شاركت في العملية البرية، مع إسناد جوي للتحالف. وأعلن التحالف أن نحو 100 مقاتلة شاركت في العملية، فيما قال إن الضربات الجوية استهدفت أهدافاً وصفها بأنها عالية القيمة.
- معركة واحدة.. جبهتان متصلتان
تكشف التطورات في التربة وذوباب أن المعركة الجديدة في تعز لا يمكن قراءتها باعتبارها مواجهات منفصلة. فالتربة تتحكم في الطريق البري الذي يصل تعز بالجنوب، فيما تتحكم ذوباب في الطريق الساحلي المؤدي إلى باب المندب والمخا.
في المحصلة، فإن نجاح القوات الحكومية في تثبيت مواقعها في ذوباب، بالتوازي مع منع الحوثيين من إحكام قبضتهم على التربة وقطع طريق تعز ـ عدن، سيكون ذا أثر يتجاوز حدود المديريتين.
لكن التطور الميداني لا يزال في بدايته، لا سيما أن القوات الحكومية نفسها أعلنت أن عملية "فجر اليمن" مستمرة، فيما تنفي جماعة الحوثيين بعض روايات التقدم. ولذلك فإن السيطرة المعلنة لا تعني بالضرورة استقرار السيطرة الميدانية، وستبقى قدرة القوات الحكومية على تثبيت خطوط الإمداد والاحتفاظ بالمواقع التي أعلنت السيطرة عليها الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.









