> «الأيام» غرفة الأخبار:
تمثل عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات المسلحة أمس ، تحولًا مهمًا في مسار الحرب، وقد بدأت العملية بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي، في 4 أكتوبر، الانتقال من مرحلة الاستعداد والتهيئة إلى مرحلة العمل العسكري، قبل أن يعلن اليوم، 5 أكتوبر 2026، انطلاق عملية «فجر اليمن» بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء، وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي.
من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل موازين القوة
خلال السنوات السابقة، ومنذ إعلان هدنة أبريل 2022، اتسم الصراع بحالة اللاسلم واللاحرب، مع خروقات متفاوتة، وصلت ذروتها بشن الحوثيين، خلال سبتمبر 2026، هجمات كبيرة، ووسعوا نطاق عملياتهم باتجاه الساحل الغربي والمرتفعات الجبلية الغربية
والجنوبية الغربية لمحافظة تعز، وسيطروا على مناطق ذات أهمية استراتيجية في الإطلالات الساحلية والجبلية والجزر حول باب المندب، بالتزامن مع تصعيد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد أعيان مدنية ومنشآت نفطية في المملكة العربية السعودية.
باب المندب مركز الثقل في العملية
في اليوم الأول لعملية «فجر اليمن»، برز مضيق باب المندب وجواره في الساحل والجبل باعتباره مركز الثقل في القتال الدائر، فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية السيطرة على مواقع استراتيجية بالسيطرة على باب المندب ومطار ذباب وصولًا إلى المخا، مع استمرار القتال وتراجع مشهود لمليشيات جماعة الحوثي في مرتفعات تعز الغربية والجنوبية الغربية وعلى امتداد الساحل حتى المخا، التي أمست تحت سيطرة القوات المسلحة اليمنية، في ظل دعم وإسناد جوي كبير من طيران التحالف العربي لدعم الشرعية، حيث أعلنت قيادة التحالف مشاركة نحو 100 طائرة مقاتلة، وتوفير دعم جوي متواصل للقوات الحكومية وحماية جوية لباب المندب، كما أعلنت تدمير 324 هدفًا وصفته بـ«عالي القيمة».
من احتواء التهديد إلى محاولة إزالة مصادره
يصعب فهم التحول في موقف المملكة العربية السعودية، قائدة تحالف دعم الشرعية، من دون النظر إلى تغير طبيعة التهديد الحوثي نفسه، فخلال الأشهر الأخيرة انتقلت المواجهة من حدود الصراع داخل اليمن إلى استهداف مباشر للأراضي والمصالح السعودية، بالتزامن مع استهداف الملاحة المرتبطة بالمملكة.
وكان التطور الأكثر وضوحًا في هذا الاتجاه إعلان الحوثيين، في 20 يوليو 2026، فرض ما سموه «حظرًا بحريًا» على السعودية، مهددين السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، واستهداف بعضها بضربات مباشرة، واضطرار سفن تجارية سعودية أخرى لاتخاذ مسار بحري بديل عن باب المندب عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط ورأس الرجاء الصالح في جنوب القارة الأفريقية، وهو ما رفع قيمة تكاليف الشحن، إضافة إلى زيادة تكاليف التأمين.
وبالتالي، يمكن قراءة الموقف السعودي باعتباره انتقالًا من سياسة احتواء التهديد الحوثي إلى محاولة إزالة أحد مصادره الجغرافية المباشرة، فاستعادة الساحل الغربي وباب المندب لا تعني فقط استعادة أراضٍ يمنية من سيطرة مليشيات الحوثي، وإنما تعني أيضًا تقليص قدرة إيران على استخدام الجغرافيا الساحلية لليمن عبر ذراعها الحوثي للضغط على السعودية والملاحة الدولية في الوقت نفسه.
تحالف مكة الدفاعي وتوسيع مظلة الردع
تتزامن عملية «فجر اليمن» مع تطور مهم في بنية الأمن الإقليمي تمثل في اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وقد أصبح الاتفاق أكثر أهمية بعد تعرض السعودية لهجمات حوثية، فقد عقد اليوم، 5 أكتوبر، اجتماع اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية للتحالف في الرياض، بمشاركة مسؤولين سعوديين وأتراك وباكستانيين، وأكدت تركيا أن الاجتماع يندرج ضمن عملية مؤسسية لتطوير التحالف ومناقشة التطورات الإقليمية.
ويبدو أن التعاون لم يبقَ في المستوى السياسي فقط، فقد كشفت رويترز أن باكستان أرسلت، خلال سبتمبر الماضي، أربع طائرات شحن عسكرية إلى عدن محملة بمعدات شملت أنظمة دفاع جوي ومدفعية خفيفة وطائرات مسيرة وأنظمة مضادة للمسيرات، كما أشارت إلى وجود مستشارين عسكريين باكستانيين يعملون مع نظرائهم السعوديين لدعم القوات اليمنية، وأفادت المصادر باستخدام طائرات مسيرة تركية اشترتها السعودية قبل الحرب في العمليات داخل اليمن.
وتكشف هذه المعطيات عن انتقال التعاون من مجرد إطار سياسي للردع إلى مستوى من الدعم العسكري العملي، مع ضرورة التمييز بين الدعم والمشاركة المباشرة في القتال، فلا تشير المعلومات المتاحة إلى قرار باكستاني بإرسال قوات قتالية إلى اليمن، بل تشير إلى دعم القوات اليمنية بالمعدات والمشورة، فيما يتركز الانتشار العسكري الباكستاني داخل السعودية على حماية أراضيها واعتراض الصواريخ والمسيرات.
وهكذا أصبح الرد على الحوثيين متعدد المستويات: القوات المسلحة اليمنية تنفذ العمليات البرية، والسعودية توفر الإسناد الجوي والقيادة والدعم، بينما توفر باكستان وتركيا قدرات ومعدات عسكرية في إطار التحالف الدفاعي المتنامي.
ويشير هذا التطور إلى انتقال التحالف من مستوى التنسيق السياسي والدفاعي إلى تفعيل آليات أكثر عملية للردع والاستجابة للتهديدات، كما أن تزامنه مع عملية «فجر اليمن» يعكس اتساع نطاق التعامل مع التهديد الحوثي من كونه تحديًا للساحة اليمنية إلى كونه جزءًا من معادلة أمنية إقليمية أوسع.
الهجوم الاستراتيجي واختبار القدرة على الوصول إلى صنعاء
أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي، اليوم، 5 أكتوبر، في حسابه على منصة «إكس»، أن القوات المسلحة اليمنية بدأت تنفيذ «هجوم استراتيجي» على صنعاء، وتحدث عن استخدام «قدرات حديثة في عملية الهجوم الاستراتيجي»، وركز على أن «عملية فجر اليمن مستمرة لتحقيق أهدافها العملياتية»، وتكشف هذه اللغة عن تصور للعملية يتجاوز استعادة مواقع محدودة في الساحل الغربي إلى الضغط على مراكز ثقل السيطرة الحوثية، وبما يتسق مع خطاب الرئيس العليمي.
وكان النزيلي قد أعلن، في وقت سابق، أن القوات المسلحة اليمنية نفذت 1122 عملية عسكرية استهدفت مواقع مدفعية وصاروخية وتحصينات وخطوط إمداد ومراكز قيادة في صعدة والجوف وتعز والساحل الغربي.
السيناريوهات المرتقبة
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للعملية.
السيناريو الأول: تثبيت المكاسب والتوسع التدريجي، بحيث تنجح القوات المسلحة اليمنية وحلفاؤها في تأمين باب المندب، ثم تطوير الهجوم إلى جبهات أخرى بصورة متدرجة، بما فيها مدينة الحديدة وموانئها، مع فتح بقية جبهات القتال على طول خطوط التماس مع مليشيات الحوثي في امتداد الجغرافيا اليمنية.
السيناريو الثاني: فينصرف إلى الاستنزاف المتبادل، إذا تمكن الحوثيون من امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم صفوفهم وفتح جبهات موازية، مع تراجع الدعم الجوي.
السيناريو الثالث: فيتعلق بتحويل الضغط العسكري إلى مسار تفاوضي، إذا أدت إعادة تشكيل موازين القوة إلى فتح نافذة جديدة للتفاوض من موقع مختلف عن المراحل السابقة.
خلاصة استراتيجية
تبدو عملية «فجر اليمن» حتى الآن محاولة كبيرة لإحداث تحول في قواعد إدارة الحرب أكثر من كونها مجرد عملية عسكرية جديدة، وتتمثل أهميتها في التقاء ثلاثة مستويات: مبادرة يمنية على الأرض، ودعم سعودي واسع، وبيئة إقليمية ودولية أصبحت تنظر إلى باب المندب باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، لا مجرد جبهة يمنية.










