> منى عبد الفتاح
شهد التوسع الحوثي في القرن الأفريقي، وما يمثله من تهديد كبير على أمن المنطقة، موجات من التمدد أخذت تتشكل كمسار جيوسياسي، تتقاطع فيه الجغرافيا البحرية مع شبكات التهريب والاتصال المسلح وحسابات النفوذ الإقليمي. ويكتسب هذا التحرك دلالاته من اتساع دائرة التواصل الحوثي مع "حركة الشباب" في الصومال، ومحاولات خلق قنوات مع أطراف وفصائل في جيبوتي والسودان وإريتريا، وبناء حضور متدرج على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر وخليج عدن.
ومنذ حرب غزة عام 2023، اكتسب هذا المسار وزنًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، فقد جعلت الهجمات الحوثية على الملاحة وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة نحو إسرائيل مضيق باب المندب جزءًا من معادلة الردع الإقليمية، لا مجرد ممر ملاحي معرض للاضطراب. ومع تصاعد المواجهة الحالية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ظهر في خطاب الحوثيين نمط أكثر حسابًا، إبقاء القدرة على التصعيد قائمة، من دون استنزافها قبل اتضاح اتجاه الصراع. وفي هذا السياق، يبدو الربط بين مضيقي "باب المندب" و"هرمز" محاولة لتوسيع مجال الضغط، بحيث لا يبقى أثر القوة الحوثية محصورًا في اليمن.
امتداد الشبكات
بدأ التواصل الحوثي مع القرن الأفريقي بوصفه امتدادًا لشبكات السلاح والتهريب العابرة للبحر الأحمر، لكنه تحول بعد سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014 إلى مشروع نفوذ أكثر انتظامًا. ويكشف تقرير نشره "مرصد مكافحة الجريمة المنظمة وغسل الأموال" اليمني عام 2024 عن تصور لإنشاء قنوات أمنية واستخبارية في الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والسودان، واستثمار الجاليات الأفريقية في صنعاء للتجنيد والتدريب وإعادة بعض العناصر لبلدانها.
وفي قلب هذا التصور ظهر عبدالواحد ناجي أبو راس، الذي قدمه التقرير مسؤولًا عن ملف التوسع الخارجي والقرن الأفريقي. ويشار إلى أنه شارك كضابط ارتباط للحوثيين خلال حروب تمرد صعدة (2004- 2009)، وكان حلقة وصل الحوثيين بتجار السلاح في مأرب، ومنذ عام 2010 كلف بإسقاط موطنه "الجوف"، التي أفلت فيها من ضربة حاولت اغتياله. ويشغل أبو راس حالياً منصب ما يسمى بـ"نائب وزير الخارجية" لدى الحوثيين، وتضعه في موقع الإشراف على ملف أفريقيا وشبكة من العملياتيين المعنيين بالتهريب والتواصل مع الجاليات والتجنيد الإقليمي. ويزداد دوره أهمية مع انتقال العلاقة مع "حركة الشباب" من الاتصالات إلى ترتيبات عملياتية، ففي مارس 2024 التقى ياسين كلوي، أمير الحركة في بونتلاند، بأبي راس في صنعاء، ثم استضافت الصومال في يونيو ويوليو ممثلين حوثيين وإيرانيًا لبحث الطائرات المسيرة. وفي سبتمبر أوقف أحمد علمي سمتر، أحد عناصر "حركة الشباب"، في المكلا، وكان قد قدم، وفق إفادته ومحاضر استجواب، نفسه وسيطًا بين الطرفين، وقال إنه سهل سفر ما يصل إلى 400 صومالي إلى مناطق حوثية للتدريب. كما أفادت الوثائق بأن مهندسين حوثيين وصلوا إلى جلب لتدريب الحركة على تصنيع العبوات وتعديل المسيرات وصيانة الأسلحة.
حلقة وصل
تظهر المرحلة اللاحقة أن القناة الحوثية مع "حركة الشباب" لم تكن رهنًا بشخص واحد، فبعد توقيف سمتر، برز عبدالشكور يحيى علي، المعروف بأسماء حركية، جبريل و"جوكر" و"الأقطع"، كحلقة وصل بديلة، ويقول مركز الأبحاث والسياسات الدولية الأميركي "سينشري إنترناشونال"، إن جبريل أقام في صنعاء منذ 2023، وحصل على جواز يمني صادر عما يسمى سلطات الحوثيين، وشارك في فعاليات ودورة أيديولوجية، ثم أشرف من صنعاء على تجهيز وإعادة تعبئة شحنات أسلحة ونقلها إلى المكلا ومنها إلى بوصاصو.
ويفيد المركز بأن أبو راس وجه بإسكانه في حي حدة، فيما تربطه تقارير أمنية بعمليات التواصل مع الحركة. وفي فبراير قتل جبريل في غارة أميركية يعتقد أنها استهدفته في الغيضة شرق اليمن، لكن مقتله لم ينه القناة، إذ كانت العلاقة قد أصبحت أوسع من الوسيط نفسه. وتكشف "سينشري إنترناشونال" عن أن هذا التوسع يقوم على بنية أقدم من شبكات التهريب اليمنية، ففارس مناع، الذي فرضت عليه الأمم المتحدة عقوبات عام 2010 بسبب تورطه في توريد السلاح إلى الصومال، كان أحد الوسطاء الذين ربطوا الحوثيين بشبكات التهريب في الصومال والمهرة وحضرموت، قبل أن يتراجع دوره مع إحكام الحوثيين قبضتهم على الاقتصاد غير المشروع وإعادة مركزة عملياته.
اتساع تدرجي
بدأ تحول الحوثيين نحو جيبوتي والسودان وإريتريا كاتساع تدرجي لشبكات بحرية تعمل خارج الأطر الرسمية، مستفيدة من طرق التجارة الساحلية، والقوارب الصغيرة، والوسطاء المحليين. وتظهر أهمية هذه المرحلة في أن النشاط لم يعد محصوراً في نقل شحنات بين اليمن والصومال، وإنما اتجه إلى بناء مسارات بديلة على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، بما يقلل الاعتماد على نقاط الاعتراض التقليدية في خليج عدن وباب المندب.
في جيبوتي، اتجه الحوثيون منذ 2022 إلى استخدام البلاد كنقطة ارتكاز لإدخال مكونات ومواد أولية عبر التجارة، قبل تفكيك الشحنات وإعادة نقلها بحرًا إلى مناطق سيطرتهم في اليمن. وورد أن خلية أنشأها مسؤول جمركي يمني سابق أدارت هذه العمليات، قبل أن تعتقل السلطات الجيبوتية المسؤول في مطلع 2024، فيما استمر النشاط عبر مشغل آخر، كما ورد أن شركات محلية، بينها "لوجستكس 77"، ظهرت في سجلات شحنات لاحقة.
وفي السودان، يشير "سينشري إنترناشونال" إلى انتقال العلاقة خلال 2024 إلى دعم فصائل لها ارتباط قديم بتنظيم "القاعدة"، ونقل شحنات من الأسلحة الخفيفة نيابة عن إيران، مع وجود عملياتيين حوثيين في بعض المدن الساحلية في ولاية البحر الأحمر، واستند المركز في معلوماته إلى تتبع سفن وصور أقمار اصطناعية وبيانات حركة.
أما في إريتريا، فقد وصفت محاولة حوثية لإعادة بناء حضور لوجستي بدعم إيراني، وربط شبكات الساحل من شمال شرق الصومال إلى السودان إلى مواقع التهريب بأرخبيل دهلك في إريتريا.
وتشير الصورة الأوسع إلى أن التحول لا يتعلق بممر واحد، بل ببناء خيارات متعددة للحركة والتمويل والإمداد، مع إبقاء بعض الروابط في مستوى غير رسمي، مما يمنح الشبكة قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط البحرية والأمنية. ويشير ذلك إلى أن الشبكة في طور التشكل، وأن نجاحها يعتمد على قدرتها على الحفاظ على الروابط غير الرسمية المرنة.
توزيع الأدوار
يكشف تحرك مقاتلي "حركة الشباب" إلى اليمن عن نمط يصعب تفسيره كسفر فردي أو مبادرات متفرقة، وبحسب التقرير النهائي لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن في شأن الصومال و"حركة الشباب"، في قراره لعام 2023، انتقلت أربع مجموعات من مقاتلي "حركة الشباب" إلى اليمن خلال عام، قوام كل منها نحو 30 مقاتلًا، مع تحديد مسار لإحدى الرحلات بدأ من ساحل بين براوة وهومبوي، ثم المكلا، قبل نقل المجموعة إلى محيط الحديدة لنحو شهرين من التدريب، وتضيف أبحاث لاحقة معلومات عن دفعات أخرى متقاربة الحجم. تكرار العدد، والمسار، ومرحلة النقل الداخلي، ثم التدريب المتخصص، يرجح وجود آلية تجميع وترحيل مسبقة، يمكن تتبعها استخبارياً عبر سجلات الاتصالات والحركة البحرية والهواتف والموقوفين. ويؤكد ذلك تقرير فريق الخبراء لعام 2025، بحسب إفادة الوسيط الصومالي، بسفر نحو 400 صومالي ووصول مهندسين حوثيين إلى جلب، والتدريب على المتفجرات وتعديل المسيرات وصيانة الأسلحة.
وتكتسب هذه الآلية بعدًا أوسع عند وضعها داخل المقاربة الإيرانية للقرن الأفريقي، فطهران لا تحتاج إلى إدارة كل تفصيل عبر قناة واحدة، الأجدى استراتيجيًا هو توزيع الأدوار بين علاقات دولة لدولة، وأدوات أمنية وشبكات غير رسمية، وشركاء محليين قادرين على الحركة بعيداً من المركز. وقد وسعت إيران بالفعل اتصالاتها الرسمية بشرق أفريقيا، بالتوازي مع استعادة وتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في القارة. وفي المستوى غير المباشر، فإن دور الحوثيين كذراع محلية قادرة على تحويل هذا العمق إلى قدرة تشغيلية، بينما تحتفظ إيران بعلاقاتها الرسمية مع الحكومات، وتعمل شبكات غير رسمية في المساحات التي تتطلب إنكارًا سياسيًا ومرونة أمنية، ولذلك يصبح نقل المتدربين جزءًا من بنية أوسع، لا حادثة لوجستية منفردة.
ساحة محتملة
يرى الباحث في المعهد الملكي للشؤون الدولية بالمملكة المتحدة كريستوفر هوكي أن التهديدات البحرية التي خلقها الحوثيون، والتطورات في منطقة القرن الأفريقي، تأتي ضمن بيئة إقليمية تتغير فيها أنماط التهديد وتتقاطع فيها مصالح جماعات مختلفة.
في هذا السياق تبرز إيران بوصفها العامل الأكثر حساسية، فقد قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في سبتمبر الماضي إن "أنصار الله" (الحوثيين) جماعة مستقلة تتخذ قراراتها وفق مصالحها ولا تتلقى أوامر من أحد، غير أن هذا النفي يتزامن مع وقائع ميدانية تناقض فكرة الفصل الكامل بين الطرفين، إذ أفادت "رويترز" في يوليو الماضي بأن طهران نقلت إلى اليمن قادة ومستشارين من "الحرس الثوري" ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة، بينما أفادت تقارير لاحقة بأن مستشارين من "الحرس" شاركوا في توجيه عمليات حوثية على الساحل الغربي.
يمكن أن يسهم ذلك في نقل "ملف أفريقيا" لدى الحوثيين من بناء العلاقات إلى إدارة الشبكة، أي ربط نقاط موجودة أصلًا، وتوزيع الوظائف بينها، بحيث لا يؤدي تعطيل مسار واحد إلى شل المنظومة بأكملها. وفي هذا التصور، قد يصبح الصومال مجالًا للتفاعل مع الفاعلين المسلحين والشبكات البحرية، بينما تكتسب إريتريا أهمية باعتبارها واجهة مقابلة لليمن، ويتيح السودان عمقًا جغرافيًا وسياسيًا مختلفًا، في حين تحتفظ جيبوتي بقيمتها كنقطة ملاصقة لأحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا.
وتكشف بنية ملف أفريقيا عن أن انخراط الحوثيين يجري ضمن توجيه ودعم إيراني، مع احتفاظ الجماعة ببنيتها التنفيذية المحلية. ويبدو دور "الحرس الثوري" قائمًا على الإسناد والتوجيه والاتصال، فيما تحافظ طهران على هامش إنكار سياسي. وهكذا يمثل الملف للحوثيين مجالًا للتوسع، ولإيران عمقًا استراتيجيًا حول البحر الأحمر.
"اندبندنت عربية"










