​التذبذب ليس اختلافًا في وجهة النظر، بل هو حالة فراغ في الموقف. وهناك فرق جوهري بين صاحب الرأي المختلف الذي يثبت على رأيه فتناقشه وتحترمه حتى وإن اختلفت معه، وبين الشخص المتذبذب الذي لا يملك رأيًا أصلًا، فهو يوافقك اليوم ويخالفك غدا بلا بوصلة، فلا تستطيع أن تحترم طرحه ولا أن تناقشه بجدية، لأنك لا تعرف أين يقف.

هذه الحالة لا تتشكل من فراغ، بل هي نتاج خلل مركب في ثلاثة مستويات. خلل في المبدأ، حين لا يوجد للإنسان مرجعية ثابتة يعود إليها عند اضطراب المواقف، وخلل في المعلومة، حين يبني الإنسان مواقفه على آخر ما سمع، كلمة توديه وكلمة تجيبه، لأنه لا يملك رصيدا معرفيا يحاكم به ما يسمع، وخلل في تقدير العواقب، لأن الثبات له ثمن وله مسؤولية، والتذبذب في جوهره محاولة لتجنب دفع هذا الثمن، فيظن صاحبه أنه بذلك يرضي الجميع، بينما هو في الواقع يفقد ثقة الجميع.

المتذبذب في الحقيقة متعب لنفسه قبل أن يكون متعبا لغيره. يعيش في حالة قلق دائم، يراقب مزاج المجلس ليقول ما يناسبه، ويتتبع اتجاه الريح ليميل معها. لذلك يغلب على سلوكه كثرة الكلام وقلة الفعل، وكثرة التبرير وقلة الإنجاز، فيستهلك جهده في شرح تناقضاته بدلا من بناء موقف واضح.

في ميزان المجتمع، الرجل الثابت يحفظ له قدره حتى لو أخطأ، لأن خطأه واضح ويمكن مناقشته وتقويمه. أما المتذبذب فلا يمكن بناء نقاش حقيقي معه، لأنك تناقشه اليوم في فكرة، فتجده غدا قد انتقل إلى نقيضها بلا مسوغ منطقي. وهذا المعنى هو ما عبر عنه القرآن الكريم بدقة حين وصف هذه الحالة بأنها حالة تعليق لا انتماء، فقال: مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

المعالجة لهذه الظاهرة لا تكون بالتجريح الشخصي، بل بوضع الإنسان أمام مسؤوليته. أن يقال له بصدق وشفافية: ليس المطلوب منك أن تكون معصوما لا تخطئ، بل المطلوب أن تكون واضحًا. اثبت لك على مبدأ واحد تعيش عليه وتراجع نفسك من خلاله. قلل من كثرة الكلام، لأن كثرة الكلام هي المدخل الأوسع للتذبذب، وأكثر من الفعل الذي يثبت صدق القول. وابن موقفك على قناعة تظل مقتنعا بها بعد عام، لا على انفعال لحظي أو منشور عابر. وجالس أهل الثبات والوضوح، فإن الصاحب ساحب، ومن جالس الثابتين اكتسب ثباتهم، ومن جالس المتقلبين تأثر بتقلبهم.

وخلاصة القول إن احترام الناس لا ينال بكثرة التلون، بل بوضوح الموقف. قد يختلف الناس مع الرجل الثابت، لكنهم لا يسخرون منه، لأن ثباته يمنحه هيبة. أما التذبذب فهو الذي يفتح على صاحبه أبواب النقد من كل اتجاه، لأنه هو من أسقط بيديه أهم ما يملكه الإنسان في سوق الرجال، وهو وضوح الموقف وثبات الكلمة.