​ربما تخبرنا الأخبار كل صباح مَن تقدّم في الجبهة ومَن تراجع، لكنها نادرًا ما تسأل: مَن تقدّم في أسرتنا الإنسانية؟
للحرب أخبار لا تصل إلى الشاشات: بيتٌ ضاق بأهله واتّسع لغريب، امرأة قسمت رغيفها مع جائع، جارٌ حمل مصابًا لا يعرف اسمه، طبيبٌ رأى الجرح قبل هوية صاحبه، ومعلّمٌ أنقذ عقلًا صغيرًا من الكراهية. هذه ليست هوامش للحرب، بل جبهتها الأخلاقية.

فالحرب لا تهدم البيوت وحدها؛ الأخطر أن تهدم الإنسان من الداخل. الجدار يمكن بناؤه، أما الكراهية إذا استوطنت القلوب فقد تعيش أطول من المعركة، وتنتقل من بيت إلى بيت، ومن ذاكرة إلى أخرى، حتى يرث الأبناء حروبًا لم يخوضوها. 

لهذا لا تكفي حماية الناس من الرصاص؛ علينا أن نحمي المجتمع من القسوة أيضًا. ألا تتحول بيوتنا إلى مجالس للتحريض، ومدارسنا إلى أماكن لتوريث الخصومة، وإعلامنا إلى وقود للانتقام. وأن نحفظ للمدني والجريح والنازح والضعيف كرامته، أيًا كان اسمه أو انتماؤه. وهذا ليس ترفًا أخلاقيًا؛ فصون كرامة الإنسان وحماية المدنيين والمعاملة الإنسانية دون تمييز من جوهر القانون الدولي الإنساني. القانون يقول للحرب: لكِ حدود. والرحمة تقول للإنسان: لا تجعل حدود الحرب حدودًا لقلبك.

ومن الصور الجميلة التي تكشفها التقارير والتحقيقات الإنسانية الميدانية في مناطق النزاع ؛ والتي لا تقل حقيقةً عن أخبار الجبهات: أسرٌ تستضيف نازحين رغم ضيق حالها، وأناسٌ يقتسمون الطعام والماء والمأوى مع غرباء.

وتوثّق شهادات العاملين في الميدان أطباءَ ومعلّمين ومتطوعين يواصلون خدمة الإنسان متجاوزين الانتماءات والاختلافات. هذه الوقائع قد لا تتصدر نشرات الأخبار، لكنها تكشف وجهًا آخر للحرب: حين يشتد الخراب، قد تتسع في المقابل مساحة التضامن بين الناس. ولهذا فهذه الصور ليست استعارات أدبية؛ إنها شواهد حقيقية على أن الإنسان يستطيع، حتى في أقسى الظروف، أن يختار الإنسانية.  فالإنسانية ليست ما نعطيه حين نملك الكثير؛ بل ما يبقى فينا حين نفقد الكثير.

وهنا يكمن أخطر امتحان: ألا يتحول المظلوم إلى نسخة ممن ظلمه، وألا يصبح الألم مبررًا للقسوة. فالعدالة لا تحتاج إلى كراهية، والحق لا يحتاج إلى نزع إنسانية الآخر. إن آفة الحرب ليست فقط أن تجعل الإنسان ضحية؛ آفتها الأشد أن تعلّمه القسوة، ثم تجعله يورّثها باعتبارها حقًا.

لذلك أحببتُ من خلال هذه السطور أن أُسلّط الضوء على تلك الصور الإنسانية المضيئة؛ لا لنكتفي بالإعجاب بها، بل لنجعلها عدوى جميلة تتسع دائرتها من إنسان إلى إنسان، ومن بيت إلى بيت، حتى تشمل مجتمعنا كله. فالمجتمعات لا تتماسك بكثرة ما يجمعها من شعارات، بل بكثرة ما يربط أبناءها من رحمة وتكافل وشعور بأن ألم الآخر يعنينا أيضًا. وحين تتسع دائرة الإنسانية، تضيق مساحة الحرب. فإذا خرجنا من الحرب أوسع رحمةً وأكثر قدرة على رؤية الإنسان قبل انتمائه، فقد انتزعنا من المأساة درسًا قد يمنع تكرارها. أما إذا أورثنا أبناءنا أسماء أعدائنا بدل أن نورثهم أسباب السلام، فنحن لم ننجُ من الحرب؛ نحن فقط حملناها معنا إلى البيت.

ربما تخبرنا الأخبار غدًا مَن تقدّم في الجبهة، أما التاريخ فسيسأل:
بعد كل هذا الألم مَن منّا تقدّم خطوةً في أسرتنا الإنسانية؟.