​إن الوفاء للشهداء ليس مجرد كلمات تقال في المناسبات، ولا شعارات ترفع على المنابر، بل هو اعتراف صادق بتضحيات الرجال الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن الأرض والكرامة والحرية. ومن حق هؤلاء الأبطال أن تظل أسماؤهم حاضرة في ذاكرة الوطن، وأن تروى تضحياتهم كما حدثت، دون انتقاص أو تهميش أو تغيير في الحقائق.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له تضحيات الأبطال هو أن يجري اختزالها تحت مسميات عامة لا تنصف أصحابها، أو أن تطمس هوياتهم النضالية، وكأنهم لم يكونوا أصحاب مواقف وبطولات وتضحيات تستحق أن تروى للأجيال القادمة. فالتاريخ لا يكتب بالشعارات وحدها، وإنما بالحقائق والأسماء والمواقف التي صنعت مراحله المختلفة.

ومن هنا، فإن الحديث عن شهداء وأبطال المحافظات الجنوبية يجب أن يكون حديثا منصفا، يعترف بدورهم وتضحياتهم، ويحفظ لهم مكانتهم في سجل البطولات الوطنية. لا يجوز أن تتحول تضحياتهم إلى أرقام عابرة، أو أن يجري تجاهل أدوارهم عند استعراض مراحل النضال والتضحيات، أو أن يتقدم آخرون إلى واجهة المشهد بينما يغيب أصحاب التضحيات الحقيقية عن صفحات التاريخ.

لا تحرفون بوصلة البطولة، ولا تجعلوا الحديث عن الشهداء مناسبة لتغييب من يستحقون الذكر والتكريم. اذكروا الأبطال بمسمياتهم الحقيقية، وتحدثوا عن مواقفهم وتضحياتهم بوضوح، وأنصفوا أبناء المحافظات الجنوبية الذين قدموا من أعمارهم وأرواحهم ثمنا لما آمنوا به من قضايا وطنية. فالاعتراف بحقهم ليس منّة من أحد، بل هو واجب أخلاقي وتاريخي.

وفي الوقت نفسه، فإن إنصاف شهداء منطقة أو محافظة لا يعني الانتقاص من شهداء المناطق الأخرى، ولا تحويل ذاكرة التضحيات إلى ساحة للتنافس أو الصراع. فلكل شهيد قصته، ولكل بطل موقفه، ولكل مرحلة رجالها الذين يستحقون أن تحفظ أسماؤهم وحقوقهم في الذاكرة الوطنية. والعدل الحقيقي هو أن يأخذ كل صاحب تضحية حقه، بعيدا عن التوظيف السياسي أو الانتقائية في رواية التاريخ.

إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تسمح بتغييب أبطالها، ولا تقبل أن تصبح تضحياتهم مادة للنسيان أو وسيلة لتحقيق مكاسب عابرة. فالشهداء لم يقدموا أرواحهم ليختلف الأحياء على أسمائهم، وإنما يستحقون منا أن نحفظ سيرتهم، ونصون كرامة أسرهم، ونعترف بما قدموه دون مبالغة أو إنكار.

إنصاف الشهداء الجنوبين يبدأ من صدق الرواية، وتخليد الأبطال يبدأ بذكر أسمائهم الحقيقية، والوفاء لتضحياتهم لا يتحقق بإقصاء الآخرين، بل بإعطاء كل ذي حق حقه. فلا تنكروا تضحيات الأبطال، ولا تحجبوا أسماءهم عن صفحات التاريخ؛ فالشهداء أكبر من الحسابات الضيقة، وذاكرة الوطن يجب أن تتسع لكل من ضحى من أجله.