> تقرير/ علاء أحمد بدر:
في العاشر من شهر أكتوبر يحتفي العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، وهو فرصة للتواصل الفعال مع الأشخاص الذين لديهم تجارب شخصية في حالات الصحة النفسية وللاعتراف بمعارفهم كشكل بالغ الأهمية من أشكال الخبرة.
ونوَّه د. خالد محيي الدين إلى أنه وفي هذه المناسبة من الضروري بمكان رفع رسالة واضحة فحواها لا عافية حقيقية دون صحة نفسية، ولا مجتمع قوي دون أفراد يشعرون بالأمان والإحترام ويحصلون على الرعاية التي يحتاجون إليها، داعيًا الجميع إلى البدء بأنفسهم، ومنح الصحة النفسية الإهتمام الذي تستحقه، وأن يكونوا مصدر أمل ودعم لمن حولهم، وليعملوا معًا من أجل مجتمع أكثر وعيًا ورحمة وإنسانية، سائلًا الله عز وجل أن يَمُن على الجميع بالصحة والعافية والطمأنينة، وأن يحفظ الوطن وأبنائه من كل شر وأن يجعلهم شركاء في نشر الأمل وتعزيز الصحة النفسية.
وتدعو حملة هذا العام إلى إفساح المجال لأصواتهم كي تشكّل السياسات والخدمات والقرارات التي تؤثر على حياتهم.
ولمعرفة المزيد حول هذا الموضوع التقت "الأيام" بمدير وحدة الإرشاد والدعم النفسي في كلية الآداب بجامعة عدن أ. د. عبد الرحمن عبد الوهاب علي، حيث قال "إننا نقف أمام قضية لم تعد قضية فردية أو طبية نفسية فحسب، وإنما أصبحت قضية إنسانية ومجتمعية وتنموية تمس الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، والمجتمع بأكمله، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة متوازنة إذا كان جسده فقط هو موضع الاهتمام، بينما تُهمل مشاعره وأفكاره وعلاقاته وقدرته على مواجهة الضغوط، مضيفًا أن منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها لعام 2026م أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعيشون مع حالة من حالات الصحة النفسية، وأن الصحة النفسية جزء أساسي من الرفاه الإنساني ومن قدرة الإنسان على التعلم والعمل والتعامل مع ضغوط الحياة والمساهمة في مجتمعة.
وأوضح مدير وحدة الإرشاد أن بيانات المنظمة كشفت عن أن نحو إنسان واحد من كل سبعة أشخاص في العالم كان يعيش مع اضطراب نفسي في عام 2023م، أي نحو 1.2 مليار إنسان، وكانت اضطرابات القلق والاكتئاب من أكثر الاضطرابات شيوعًا، لافتًا إلى أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تجعل المجتمع ينظر إلى العالم باعتباره مجتمعًا مريضًا، وإنما ينبغي أن تدفعه إلى سؤال أهم ألا وهو ماذا تستطيع المجتمعات أن تفعل حتى يحافظ أفرادها على صحتهم النفسية، ومنع المشكلات النفسية أو يتم اكتشافها والتعامل معها مبكرًا؟ وهنا تأتي أهمية هذه المناسبة.
وبيَّن الأكاديمي بجامعة عدن أن تخصيص يوم عالمي لا يعني أن نهتم بالصحة النفسية في يوم واحد، وإنما أن نجعل هذا اليوم فرصة سنوية لرفع الوعي، ومراجعة السياسات والخدمات، ومناقشة المشكلات، وتشجيع المجتمع على الاهتمام بالصحة النفسية طوال العام، فالمرض النفسي كثيرًا ما كان محاطًا بالصمت والخوف والوصمة الاجتماعية، والإنسان الذي يعاني نفسيًا يخشى أن يقول (أنا مٌتعَب نفسيًا)، ويتردد في طلب المساعدة خوفًا من أن يُـقال عنه إنه يعاني نفسيًا أو إنه مصاب بالجنون، أو أن هذه مشكلة لا تحتاج إلى علاج نفسي، وهنا يأتي دور التوعية النفسية في تغيير هذه الثقافة السائدة عن المرض النفسي، موضحًا أن من أخطر المشكلات التي تواجه الصحة النفسية هي الوصمة الاجتماعية، والتي تجعل الإنسان يخفي معاناته، وقد تؤخر وصوله إلى الخدمة النفسية، ولذلك فإن إحدى الرسائل المهمة لليوم العالمي للصحة النفسية طلب المساعدة النفسية وبالتالي ليست علامة ضعف، وإنما إشارة للوعي والمسؤولية، فالإنسان الذي يراجع طبيبًا عندما يشعر بألم جسدي لا يُعد ضعيفًا، والإنسان الذي يراجع مختصًا نفسيًا عندما يعاني من مشكلة نفسية لا ينبغي أن يُعامل بطريقة مختلفة.
وأكد د. عبدالرحمن عبدالوهاب أن الصحة النفسية حق وليست ترفًا ولا رفاهية مخصصة لمن يملك المال أو الوقت، وهي جزء من الصحة العامة وحق أساسي من حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن منظمة الصحة العالمية كانت قد أوضحت إلى أن الصحة النفسية تمثل حالة من الرفاه النفسي التي تساعد الإنسان على التعامل مع ضغوط الحياة، وتحقيق قدراته، والتعلم والعمل بصورة جيدة، والمساهمة في مجتمعه، فلا توجد صحة كاملة من دون صحة نفسية.
وأفاد مدير الدعم النفسي أنه من الأخطاء الشائعة الظن بأن الصحة النفسية تعني أن يكون الإنسان خاليًا من المرض النفسي، وهذا تعريف ناقص أو سلبي للصحة النفسية، وهي أشمل من مجرد غياب المرض، فالإنسان الذي يتمتع بدرجة جيدة من الصحة النفسية يستطيع، بدرجات متفاوتة أن يتعامل مع الضغوط، ويعلم نقاط قوته وضعفه، وينظم انفعالاته، ويبني علاقات اجتماعية جيدة، ويتعامل مع المشكلات بطريقة واقعية، ويتخذ قرارات مناسبة، ويتعلم ويعمل، ويشعر بالانتماء، ويطلب المساعدة عندما يحتاج إليها.
وتحدث مدير وحدة الإرشاد حول أن الصحة النفسية ليست السعادة الدائمة، مضيفًا أن هذه نقطة مهمة جدًا في التوعية، متسائلًا هل الإنسان السليم نفسيًا يجب أن يكون سعيدًا طوال الوقت؟، مجيبًا بلا، مؤكدًا أن الصحة النفسية لا تعني ألا نحزن، وألا نقلق، وألا نخاف، وألا نغضب، فالإنسان الطبيعي يمر بمشاعر مختلفة، والحزن بعد فقد شخص عزيز يعتبر استجابة إنسانية طبيعية، والقلق قبل الامتحان قد يكون طبيعيًا، والخوف عند التعرض لخطر حقيقي استجابة طبيعية، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح المشاعرشديدة جدًا، ومستمرة لفترة طويلة، وغير متناسبة مع الموقف، أو تؤثر بصورة واضحة في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، وهنا بحاجة إلى التدخل النفسي المتخصص بدلًا عن التشخيص الذاتي.
من جهتها قالت مديرة مكتب وزارة الصحة العامة والسكان في مديرية المعلا الدكتورة أنصاف عبدالله أحمد الخامري "إن الصحة النفسية تمثل ركيزة أساسية للصحة العامة وعنصرًا مهمًا في تعزيز استقرار الفرد والأسرة والمجتمع"، مشددةً على أهمية إيلاء الصحة النفسية مزيدًا من الاهتمام وتعزيز الوعي المجتمعي بأثرها في حياة الأفراد وقدرتهم على مواجهة ضغوط الحياة اليومية.
وأوضحت الخامري أن الاحتفاء باليوم العالمي للصحة النفسية يمثل فرصة لتجديد الدعوة إلى نشر الثقافة الصحية والنفسية وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالاضطرابات النفسية والحد من الوصمة الاجتماعية التي قد تمنع بعض الأشخاص من طلب المساعدة، مؤكدةً أن الاضطرابات النفسية هي مشكلات صحية تستدعي الفهم والرعاية والدعم وليست مدعاة للخجل أو التمييز.
وتابعت د. أنصاف الخامري حديثها.. أن مديرية المعلا كغيرها من المديريات بحاجة إلى تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية لتعزيز الوعي بأهمية الصحة النفسية وتشجيع الأسر على توفير بيئة داعمة لأفرادها والاهتمام بالجوانب النفسية للأطفال والشباب والنساء وكبار السن لا سيما في ظل الظروف المعيشية والضغوط اليومية التي قد تنعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي، لافتةً إلى أهمية تعزيز دور المؤسسات الصحية في التوعية والإرشاد وتقديم الدعم النفسي وتسهيل وصول المحتاجين إلى الخدمات المتخصصة إلى جانب تدريب الكوادر الصحية على اكتشاف المؤشرات الأولية للمشكلات النفسية والتعامل معها بمهنية وإنسانية مع ضمان احترام خصوصية المستفيدين وكرامتهم.
ودعت مديرة صحة المعلا إلى تعزيز الشراكة بين القطاع الصحي والسلطة المحلية والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني بما يسهم في نشر الوعي النفسي وتوفير بيئة مجتمعية أكثر تفهمًا واحتواء وتشجيع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات نفسية على طلب المساعدة دون خوف من الوصمة أو الأحكام المسبقة.
وأفادت أن الصحة النفسية حق أساسي وجزء لا يتجزأ من الصحة العامة وأن بناء مجتمع صحي يبدأ بالاهتمام بالإنسان جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا، مناشدةً الجميع بجعل الدعم النفسي والتعاطف والتوعية ثقافة يومية تتجاوز حدود المناسبات وتسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.
وطالبت مديرة مكتب وزارة الصحة العامة والسكان في مديرية صيرة الدكتورة أماني عبدالله ناصر عمبر بتعزيز الوعي حول أهمية الصحة النفسية، وتسليط الضوء على ضرورة الاهتمام بها، باعتبارها جزءًا أساسيًا من صحة الإنسان وجودة حياته، مشيرةً إلى أن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالأمان والراحة والاستقرار النفسي، حتى يتمكن من مواجهة ضغوط الحياة، وبناء علاقات إيجابية، والمشاركة الفاعلة في المجتمع، مضيفةً بقولها "لنجعل من هذا اليوم فرصة لتجديد التزامنا ببناء مجتمع أكثر وعيًا وتفهمًا ورحمة، ومجتمع لا يخجل فيه أحد من طلب المساعدة، ولا يُترك فيه أحد وحيدًا في مواجهة معاناته النفسية".
إلى ذلك أوضح مدير مكتب وزارة الصحة العامة والسكان في مديرية البريقة الدكتور خالد محيي الدين أحمد سعيد أن الإنسان قد يبدو قويًا ومبتسمًا من الخارج، بينما يخوض في داخله معارك صامتة لا يعلم بها أحد، ومن هنا فإن الواجب الإنساني والأخلاقي يحتم أن يكون المحيطين به أكثر تفهمًا ورحمة، وأن يكونوا مصغيين إلى الآخرين دون أحكام مسبقة، وأن يمدوا يد العون لكل من يحتاج إلى الدعم والمساندة، مؤكدًا أن طلب المساعدة النفسية ليس ضعفًا، بل هو شجاعة وخطوة نحو التعافي، والأزمات والضغوط المعيشية والظروف الصعبة التي تمر بها المجتمعات، وما تتركه من آثار نفسية على الأفراد والأسر تجعل الاهتمام بالصحة النفسية ضرورة ملحّة، وليس مجرد مناسبة سنوية نحتفل بها.
ومضى مدير صحة البريقة في كلامه.. أن للعاملين في القطاع الطبي و الصحي دورًا محوريًا في هذا المجال، من خلال الاكتشاف المبكر للمشكلات النفسية، وتقديم الرعاية الإنسانية المتكاملة، وإحترام كرامة المرضى وحقوقهم، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية والمجتمع، ولا ننسى أن الأسرة والمدرسة ومكان العمل ووسائل الإعلام، جميعها شريكة في نشر ثقافة الصحة النفسية، وبناء مجتمع يتعامل مع المعاناة النفسية بالتفهم والاحتواء، لا باللوم أو التهميش.













