> عدن «الأيام» تحليل خاص:
- تساؤلات الشارع الجنوبي تطالب قيادة الحرب بإجابات واضحة
- لماذا مأرب وقواتها الأقل مشاركة عسكريًا في الحرب ضد الحوثيين؟
- الانسحابات في تعز تجاوزت خطورتها فقدان المواقع وتستوجب تحقيقًا
- الجنوب قدم الشهداء والجرحى وحقه معرفة موقعه ما بعد الحرب
- الجنوبيون بانتظار ضمانات تحفظ حقوقهم على طاولة التسوية
> تضع التساؤلات الدائرة في الشارع الجنوبي قيادة الحرب أمام مسؤولية تقديم إجابات واضحة عن أهداف المشاركة الجنوبية، وعدالة توزيع أعباء القتال، ومصير القادة المتهمين بترك مواقعهم ومعسكراتهم للحوثيين. فالثقة بالحرب تتوقف على معرفة المواطنين إلى أين تتجه تضحيات أبنائهم، وما الذي يضمن ألا تنتهي بانتصار عسكري يستفيد منه آخرون، فيما تبقى قضية الجنوب معلقة.
السؤال الأول، عن الثمن السياسي لمشاركة القوات الجنوبية في تحرير مناطق الشمال، يكتسب مشروعيته من العلاقة المباشرة بين الحرب ونتائجها. فمن يتحمل مسؤولية القتال، ويقدم الشهداء والجرحى، يحق له أن يعرف موقعه في ترتيبات ما بعد الحرب، والضمانات التي تحفظ حقوقه عندما تنتقل المعركة من الميدان إلى طاولة التسوية.
ومن الناحية العسكرية، يمكن أن يخدم إضعاف الحوثيين أمن الجنوب، لأن استمرار قدرتهم على تهديد حدوده وممراته الحيوية يجعل استقراره معرضًا للخطر. لكن هذه المصلحة الأمنية تحتاج إلى اتفاق سياسي يحدد أهداف المشاركة وحدودها، ومسؤوليات الشركاء، ومستقبل القوات المشاركة، وكيفية إدارة المناطق التي تُستعاد من الحوثيين.
ويفترض أن يتضمن هذا الاتفاق تمثيلًا جنوبيًا وازنًا في أي مفاوضات، ومسارًا واضحًا لمعالجة القضية الجنوبية، وضمانات تحول دون فرض ترتيبات على الجنوب تحت ضغط الحرب أو باسم الضرورة العسكرية. أما ترك هذه المسائل إلى ما بعد انتهاء القتال، فإنه يضع الجنوبيين أمام احتمال تبدل المواقف والتراجع عن الوعود حين تتغير موازين القوة.
كما أن استعادة الأرض تفرض سؤالًا عمن سيتولى حمايتها وإدارتها. فإذا كانت القوات الجنوبية ستخوض المعارك، ثم تبقى مسؤولة عن تأمين مناطق واسعة خارج الجنوب، فإن ذلك قد يحول المشاركة إلى استنزاف طويل، ويضعف قدرتها على حماية مناطقها. ولهذا ينبغي تحديد مسؤوليات تثبيت الأمن والإدارة والإمداد، قبل توسيع نطاق العمليات.
وفيما يتعلق بمأرب، فإن المعلومات المنشورة تستوجب التمييز بين اتهام قواتها برفض القتال وبين التساؤل عن حجم مشاركتها. فقد نقلت وسائل إعلام، في 9 أكتوبر، بيانًا للقوات المسلحة يعلن تنفيذ هجمات واستعادة مواقع في مأرب، بينما وصفت قراءة عسكرية نشرتها «الجزيرة» القتال هناك وفي الجوف بأنه أقل حدة مقارنة بالجنوب الغربي. ومن ثم فإن السؤال الأدق هو: هل تتناسب مشاركة هذه الجبهات مع قدراتها، وهل تتحرك ضمن خطة متزامنة مع القوات التي تتحمل الهجوم الرئيسي؟.
عسكريًا، يمنح تفاوت الضغط بين الجبهات الحوثيين فرصة أكبر لتوجيه مواردهم وتعزيزاتهم نحو المحاور الأشد خطرًا عليهم. ولذلك فإن نجاح الحرب يحتاج إلى تنسيق يحد من هذه المرونة، ويوزع أعباء المواجهة بحسب قدرات القوات وظروفها. ووجود اشتباكات متفرقة لا يجيب وحده عن سؤال المشاركة الفعلية في تحقيق الهدف المشترك.
وعلى مجلس القيادة والقيادة العسكرية أن يوضحا أسباب هذا التفاوت، وما إذا كانت مرتبطة بالجاهزية والتسليح والإمداد، أم بالخلافات السياسية وتعدد مراكز القرار. فالجنود الذين يخوضون المعارك يحتاجون إلى الاطمئنان بأن جهودهم جزء من خطة متكاملة، وأن القوات الأخرى تؤدي مسؤولياتها، وأن أي امتناع عن تنفيذ الأوامر يخضع للمساءلة.
أما الانسحابات في تعز، فإن خطورتها تتجاوز فقدان المواقع إلى احتمال كشف أجنحة القوات المجاورة وتهديد خطوط الإمداد. وقد نشر موقع «نيوزيمن»، في 4 أكتوبر، إفادات منسوبة إلى مصادر عسكرية ومحلية تتهم قوات محسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح بانسحابات غير منسقة من مواقع في الكدحة وراسن ومحيط الصافية. وهذه اتهامات خطيرة تستدعي تحقيقًا مستقلًا وسماع رد القيادات المعنية، ولا تكفي الروايات المتداولة وحدها لإثبات التسليم المتعمد أو التواطؤ.
ومن هنا تأتي مسؤولية مجلس القيادة في إعلان الإجراءات التي اتخذها، وتمكين النيابة العسكرية من فحص الأدلة، وإحالة من تثبت مسؤوليته إلى القضاء المختص. فالمطالبة بالمحاكمة بتهمة «الخيانة العظمى» تستلزم إثبات عناصر الجريمة؛ إذ تربط المادة 15 من قانون الجرائم والعقوبات العسكرية تجريم صور من تسليم المواقع للعدو بقصد الخيانة، وتتضمن شروطًا تتعلق بغياب السبب القاهر وعدم استنفاد وسائل الدفاع.
والتحقيق الجاد يجب أن يحدد من أصدر أوامر الانسحاب، وما الظروف التي أحاطت بها، وما إذا جرى إبلاغ القوات المجاورة، وكيف تم التعامل مع الجنود والعتاد. فالانسحاب الذي تفرضه ضرورة عسكرية يختلف عن الإهمال وعن التسليم المتعمد، ولكل حالة أدلتها ومسؤولياتها. كما ينبغي ألا تتحول عبارة «إعادة التموضع» إلى غطاء يحول دون مراجعة القرارات وكشف أسباب الخسائر.
وحزب التجمع اليمني للإصلاح مطالب بالرد على الاتهامات الموجهة إلى القيادات المنسوبة إليه، والتعاون مع التحقيق، ورفع أي حماية سياسية عمن تثبت مسؤوليته. فإذا كشفت الأدلة تنسيقًا مع الحوثيين أو تسليمًا متعمدًا للمواقع، وجب أن تشمل المحاسبة جميع المشاركين، مهما كانت مواقعهم الحزبية والعسكرية. وتحديد المسؤولية بالأفعال والأدلة يمنع تحويل القضية إلى سجال تُستهلك فيه الاتهامات وتضيع فيه حقوق الضحايا.
أما الأنباء عن استقبال السعودية قادة عسكريين منسحبين، فإن أثرها على الثقة يرتبط بطبيعة هذا الاستقبال ونتائجه. وقد نشرت صحيفة «المدن»، في 20 سبتمبر، تقريرًا نقل عن مصادر غير مسماة تشكيل لجنة سعودية للتحقيق في انهيار جبهات الساحل واستدعاء قيادات للاستماع إليها. وهذا تقرير صحفي يحتاج إلى إعلان رسمي للنتائج، لكنه يؤكد ضرورة التمييز بين الاستدعاء للتحقيق وبين الحماية السياسية أو إعادة التكليف.
ومع ذلك، فإن استمرار الغموض يمكن أن يغذي الريبة لدى المواطنين الجنوبيين. فأي انطباع بأن القائد يستطيع مغادرة موقعه، ثم تجاوز نتائج قراره من دون حساب، يضعف الثقة بجدية الحرب وبإمكان تحقيق نصر مستدام. والشفافية هنا تقتضي إعلان مصير التحقيقات، وتوضيح أسباب التكليفات العسكرية، وإظهار أن المساءلة تشمل جميع الشركاء.
وتخدم السعودية شراكتها مع الجنوبيين عندما تدعم هذا المسار، وتربط إسناد الحرب بوضوح أهدافها ومحاسبة المسؤولين عن إخفاقاتها. فالدعم العسكري تزداد فاعليته عندما يقترن بتفاهم سياسي يحفظ المصالح، وبقيادة يثق المقاتلون والمواطنون في قراراتها. كما أن القيادات الجنوبية تتحمل مسؤولية شرح الاتفاقات التي تحكم مشاركتها، والمطالبة بضمانات يمكن متابعتها والاحتجاج بها.










