​سألني أحد الأصدقاء: متى، وفي أي شهر، تبدأ الوزارات والمؤسسات، كالمصانع والجامعات والبنوك والمستشفيات وغيرها، إعداد موازنة العام التالي؟.

أجبته، استناداً إلى تجربتي العملية: يختلف الموعد بحسب طبيعة المؤسسة وحجمها ونظامها الإداري وبداية سنتها المالية. لكن الإعداد الجاد يبدأ قبل حلول السنة الجديدة بعدة أشهر، حتى تتاح فرصة كافية للتخطيط والمراجعة والاعتماد.

وللمؤسسات التي تبدأ سنتها المالية في يناير وتنتهي في ديسمبر، يمكن تصور الجدول الإرشادي التالي، هذا جدول إرشادي، وليس موعدًا موحدًا؛ إذ تحكم إعداد الموازنات العامة أيضًا مواعيد وإجراءات قانونية تختلف بين الدول:

- من يوليو إلى سبتمبر: مراجعة الأداء المالي، وتحليل الانحرافات بين الموازنة المعتمدة والتنفيذ الفعلي، وتقدير نتائج الأشهر المتبقية، وتحديد أولويات العام المقبل.

- خلال أكتوبر ونوفمبر: إعداد مسودات موازنات الإدارات والوحدات، ومناقشة الإيرادات والنفقات المتوقعة، وترتيب الأولويات، واختبار الافتراضات والمخاطر، ثم تجميعها في مشروع موازنة متكامل.

- خلال ديسمبر: استكمال المراجعة والحصول على اعتماد الجهة المختصة، وفقاً للنظام الحاكم للمؤسسة، لتصبح الموازنة جاهزة للتنفيذ مع بداية العام الجديد.

أما المؤسسات التي تبدأ سنتها المالية في أبريل أو يوليو، مثلاً، فتُعدّل هذا الجدول بما يتناسب مع تقويمها المالي. وقد تبدأ المؤسسات الكبيرة والمعقدة الإعداد في وقت أبكر، وتشكل لجنة عليا لتنسيق العملية.

وأضفتُ: الموازنة ترجمة مالية لخطة المؤسسة؛ فهي توضح ما الذي تريد إنجازه، وبأي موارد، ومن يتحمل مسؤولية التنفيذ، وكيف تُقاس النتائج. ولهذا ينبغي أن يتبع اعتمادها رصدٌ دوري للأداء، وتفسيرٌ للانحرافات، وإجراءاتٌ للتصحيح.
وبعد أن فرغتُ من الإجابة، قلتُ له: يا صديقي، حاول أن تبحث عن إجابات لهذه الأسئلة في بلادنا:

- هل بدأت الوزارات والمؤسسات السيادية تحديد أهدافها واحتياجاتها وأولوياتها ومصادر تمويلها؟
- هل بدأت الجامعات فعلًا إعداد موازنات عام 2027م؟ وهل ربطتها بخطط تطوير التعليم والبحث والتدريب والمشاركة المجتمعية؟
- هل وضع مجلس الوزراء جدولًا واضحًا لإعداد الموازنة ومناقشتها واعتمادها؟
- هل يُقيَّم الأداء المالي للوزارات والمؤسسات التابعة لها؟ وهل تؤثر نتائج التقييم في تخصيص الموارد والمساءلة؟
فالتأخر في إعداد الموازنة يضيّق مساحة الاختيار، ويدفع الدولة ومؤسساتها إلى قرارات مرتجلة. وحين تغيب الخطة، تصبح الموازنة استجابةً للأزمات، وتظل احتياجات الغد رهينةً لما تتركه نفقات اليوم.