> «الأيام» الجزيرة:

 في وقت ما زالت فيه تداعيات استهداف مطار الملك خالد الدولي بالرياض تفرض أسئلتها على أمن الطيران والمدنيين في السعودية، أعلنت الخارجية الإيرانية استعداد طهران لبذل «مساعٍ حميدة» للمساعدة في إجراء محادثات بين اليمن والسعودية، وسط تساؤلات بشأن قدرة طهران على خفض الهجمات على منشآت مدنية سعودية.

وكانت وزارة الخارجية السعودية قد ذكرت أن اتصالًا جرى بين الوزير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي، وتناول التصعيد الأخير في المنطقة والجهود المبذولة بشأنه.

أما عرض المساعدة في بدء محادثات بين السعودية والحوثيين، فقد ورد في رواية الخارجية الإيرانية، التي نقلت عن عراقجي قوله إن الأزمات الإقليمية لا تُحل عسكريًا، وإن طهران تدعم مسارًا سياسيًا.

وتأتي المبادرة في لحظة لا تسمح بالتعامل معها، وفق محللين، كخطوة دبلوماسية معزولة. فاستهداف مطار الملك خالد، بما خلّفه من أضرار في منشأة مدنية، نقل كلفة الحرب إلى المسافرين وحركة الطيران والشعور بالأمان في العاصمة.

وأظهرت مشاهد نشرتها الجزيرة لحظة استهداف المطار والآثار التي طالته، في وقت شددت فيه الأمم المتحدة على ضرورة وقف الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية المدنية في السعودية.

وفي هذا السياق، قال الباحث والأكاديمي الإيراني حسن أحمديان إن إيران طرحت مبادرة للوساطة، لكنها لم تتلقَّ ردًا من الطرف الآخر، مشيرًا، خلال حديثه لبرنامج «نقاش الساعة» على الجزيرة، إلى أن وجود تواصل مستمر بين طهران والحوثيين «يمكن أن يوفر قناة تساعد في خفض التصعيد أو فتح مسار للحوار».

ويصف أحمديان علاقة إيران بالحوثيين وحلفائها بأنها تحالف وتنسيق حول أهداف مشتركة، وليست علاقة «تابع ومتبوع» أو أوامر مباشرة. وبحسب طرحه، فإن طهران تقدم المشورة لحلفائها، لكنها لا تفرض عليهم قرارًا سياسيًا أو عسكريًا.

ويستند المتحدث في تفسيره لإمكانية الوساطة إلى أن العلاقة بين طهران والحوثيين لم تنقطع، مع وجود تمثيل وتبادل للوفود وقنوات اتصال قائمة. لكنه يقدم ذلك بوصفه قدرة على التواصل والمشورة، لا دليلًا على أن إيران تملك حق إصدار الأوامر للجماعة.

في المقابل، يقدم الخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري قراءة مختلفة لدور الحوثيين في التصعيد، إذ يرى أن الجماعة تسعى إلى إضافة عمق جديد لاستراتيجية «رفع الكلفة» على السعودية، بما يطال أمنها ومسارها الاقتصادي.

ويربط الزويري بين استهداف المنشآت الحيوية في السعودية وبين ما يصفه بمحاولة استنزاف اقتصادي وفرض قواعد اشتباك جديدة. ووفق قراءته، فإن الضغط على المرافق المدنية وحركة الطيران لا ينفصل عن سعي الحوثيين إلى تحسين موقعهم قبل أي مسار سياسي أو تفاوضي.

أما الكاتب والمحلل الأمريكي تيم كونستانتين، فيذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن إيران تمول الحوثيين وتسلحهم وترسل مستشارين عسكريين إليهم، معتبرًا أن طرح طهران للوساطة يتناقض، وفق قراءته، مع هذا الدور.

وشبّه كونستانتين هذا التناقض بمن يشعل حريقًا ثم يعرض المساعدة في إخماده، معتبرًا أن أي حديث إيراني عن خفض التصعيد يجب أن يقترن، من وجهة نظره، بوقف ما يصفه بالدعم العسكري للحوثيين.

شكوك خليجية
من جانبه، قال المحلل السياسي والاستراتيجي السعودي أحمد الشهري إن الاتصالات بين وزيري خارجية السعودية وإيران ليست جديدة، وإنها استمرت، حسب تقديره، حتى في مراحل التوتر والأزمات بين البلدين.

ويرى الشهري أن الاتصال الأخير لا ينبغي قراءته بوصفه تحولًا مستقلًا في العلاقة بين الرياض وطهران، بل في سياق اتصالات قائمة ومسار إقليمي أوسع. ويقول إن ميزان السياسة والقانون و«منطق الدول» يميل إلى مصلحة السعودية، في مقابل ما يصفه بعزلة الحوثيين وافتقارهم إلى مشروع سياسي وطني مستقل.

وبحسب الشهري، تسعى طهران، من خلال الحديث عن الوساطة والمصالحة اليمنية، إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من موقع الحوثيين في أي ترتيبات مقبلة تخص اليمن. ويربط ذلك باعتقاده أن الهدف السياسي للجماعة مرتبط بطهران، ولذلك لا يفصل العرض الإيراني عن محاولة الاحتفاظ للحوثيين بدور في المعادلة السياسية.

وفي قراءة سعودية أخرى، يرى الكاتب والمحلل السياسي مبارك آل عاتي أن التعامل مع التصعيد لا يبدأ من الوساطات، بل من مواصلة دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، مع الاستمرار في الضغط على الحوثيين.
وقال آل عاتي، خلال حديثه للجزيرة، إن معركة «فجر اليمن»، بحسب وصفه، تحتاج إلى مزيد من الصلابة وعدم التوقف أمام الوساطات.

اختبار عملي
وتضع هذه المداخلات عرض طهران أمام قراءات متباينة، إذ يراه أحمديان «مبادرة تستند إلى قنوات اتصال قائمة مع الحوثيين»، بينما يربط الزويري التصعيد باستراتيجية لرفع الكلفة على السعودية، في حين يقول كونستانتين إن الدعم الإيراني للحوثيين، وفق تقديره، يتناقض مع دور الوسيط.

أما الشهري، فيقرأ العرض باعتباره محاولة للحفاظ على موقع الجماعة في أي تسوية يمنية، في وقت يدعو فيه آل عاتي إلى مواصلة دعم الحكومة اليمنية والضغط على الحوثيين. وحتى الآن، لا يوجد أي تعليق سعودي رسمي على العرض الإيراني، ولا أي إعلان عن انطلاق قناة تفاوض بين الرياض والحوثيين.