> "الأيام" المراقب السياسي:

  • ​ضرر الحوثيين يطال الجنوب حتى بدون سيطرتهم على أراضيه
  • المشروع الحوثي يعطل اقتصاد الجنوب ويضعه تحت رحمتهم
  • الحفاظ على الجنوب يستوجب على مكونات وقف الصراعات البينية
يمثل المشروع الحوثي المسلح، في التقدير السياسي، خطرًا وجوديًا على الجنوب وأمن سكانه وثرواته. فاستمرار قوة مسلحة قادرة على تهديد المدن وتعطيل الموانئ وابتزاز الاقتصاد يضع حياة الناس ومستقبلهم تحت ضغط دائم. والمهدد لحقهم الدستوري في الأمان والحرية والعمل وإدارة الموارد. وحين تصبح مصادر الرزق والخدمات رهينة للصواريخ والمسيّرات، فإن الخطر يتجاوز خطوط القتال إلى أساس الحياة نفسها.

ويستند هذا التوصيف إلى سجل موثق من استخدام القوة ضد المدنيين والاقتصاد والحياة العامة. فقد أوردت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، في أسباب إدراج الحوثيين ضمن حظر السلاح، هجمات على المدنيين والبنية التحتية، وتجنيد الأطفال، وقمع النساء الناشطات، وعرقلة المساعدات، والاعتداء على الملاحة التجارية. 

كما وثقت هجمات إرهابية عابرة للحدود على المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية والإمارات. إن استمرار هذه الممارسات يهدد شروط قيام حياة سياسية واقتصادية مستقرة.

أما الخطر على ثروات الجنوب فقد ظهر بصورة مباشرة في استهداف موانئه النفطية. ففي نوفمبر 2022، وثقت الأمم المتحدة هجمات الحوثيين على موانئ ومنشآت النفط في حضرموت وشبوة، وحذرت من تداعياتها الاقتصادية. 

وفي تقريره الصادر في أكتوبر 2024، أوضح البنك الدولي أن استمرار الحصار الحوثي على صادرات النفط أسهم في انخفاض إيرادات الحكومة المعترف بها دوليًا بنسبة 42 في المئة خلال النصف الأول من ذلك العام، وأضعف قدرتها على تقديم الخدمات.

وفي القراءة السياسية لهذه الوقائع، يستطيع الحوثيون الإضرار بالجنوب حتى من دون السيطرة المباشرة على جميع أراضيه. فتهديد ناقلات النفط والموانئ يتيح لهم فرض قيود على الاقتصاد من خارج مؤسساته، وتحويل الإيرادات إلى أداة إخضاع سياسي. وحين تتعطل الموارد، تتقلص القدرة على دفع الرواتب وتمويل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. إن تعطيل التصدير يضع معيشة الناس تحت رحمة قرار عسكري لا يخضع لمؤسساتهم أو مساءلتهم.

وثروات الجنوب تشمل النفط والغاز والموانئ والثروة السمكية والموقع البحري وفرص الاستثمار والعمل. وحمايتها تعني حماية القدرة على بناء مستقبل قابل للحياة. فالسيطرة المسلحة على الموارد، أو منع الانتفاع بها، تضرب استقلال القرار وتوسع الفقر والارتهان للمساعدات. ومن هنا يتخذ الخطر الحوثي بعدًا وجوديًا: إنه يهدد الأساس الاقتصادي لأي إدارة مستقرة، ويستنزف فرص التنمية وإعادة الإعمار قبل أن تبدأ.

ويشمل هذا الخطر المجال السياسي أيضًا. فحرية السكان في اختيار صيغة الحكم التي يريدونها تحتاج إلى تعددية ومؤسسات وقانون وضمانات للمشاركة. أما فرض الإرادة والحق المقدس للسيد في الحكم بقوة السلاح فيقوض تلك الشروط ويجعل الحقوق رهينة لموازين القوة. وأي تسوية تترك أدوات الابتزاز العسكري خارج سلطة القانون تُبقي أسباب الاعتداء قائمة. 

لذلك تستلزم حماية مستقبل الجنوب ضمان ألا تتحول موارده ومؤسساته إلى أدوات لإخضاع سكانه، وصون خياراتهم السياسية السلمية في أي اتفاق.

وفي هذه الظروف، يقتضي الحفاظ على أمن الجنوب وقف الصراعات البينية التي تستنزف المؤسسات وتعرض السكان للخطر. وعلى القوى السياسية والسلطات المحلية نبذ التحريض وتصفية الحسابات، وتسوية الخلافات بالحوار، والتعاون في حماية المدنيين والمنشآت ورعاية المتضررين. فالاختلاف السياسي السلمي حق، أما تحويله إلى خصومة تعطل الدفاع والخدمات فيضاعف أثر الاعتداءات. 

ويمكن الاتفاق على صون الأرواح والأرض والموارد مع بقاء التعدد وحرية الرأي، من دون أن تصبح سلامة الناس رهينة للخلافات.

وتستوجب الهجمات الحوثية على المنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية إدانة بأشد العبارات وموقفًا واضحًا من مسؤولية مرتكبيها. وقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة، في 10 أكتوبر 2026، الهجوم الحوثي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، الذي أوقع، وفق البيان الأممي، قتلى ومئات المصابين المدنيين. 

إن تعريض المسافرين والعاملين والسكان للخطر اعتداء على أرواح بشرية، وضرب للمرافق التي تقوم عليها الحياة المدنية. ولا يمكن قبول استخدام سلامة هؤلاء وسيلة للضغط السياسي.

ويحظر القانون الدولي الإنساني توجيه الهجمات إلى المدنيين والأعيان المدنية ما دامت لا تشكل أهدافًا عسكرية، كما يحظر الهجمات العشوائية. وحتى عند استهداف هدف عسكري، تبقى قواعد التناسب والاحتياطات لحماية المدنيين واجبة التطبيق. 

وعليه، فإن استهداف المنشآت السعودية بصفتها المدنية انتهاك يستوجب التحقيق والمساءلة، ولا تمنح دعاوى الرد أو الضغط السياسي ترخيصًا للاعتداء عليها. وهذه الالتزامات تسري على جميع أطراف النزاع.

ومن منظور أمن المنطقة، فإن تهديد السعودية وتعطيل موانئ الجنوب ينتميان إلى نمط واحد من استخدام المرافق الاقتصادية والمدنية للضغط. كما أن اضطراب الملاحة والطيران والاستثمار يمكن أن ينعكس على التجارة وفرص العمل وحركة الأسر والمساعدات. 

وإدانة الاعتداءات على المملكة والتضامن مع ضحاياها موقف أخلاقي واضح، يرتبط بمصلحة إقليمية مشتركة في منع تحويل المدن والمطارات ومصادر الرزق إلى رهائن بيد جماعة مسلحة.

وتقتضي المواجهة الفاعلة إنهاء قدرة الحركة الحوثية على ممارسة الإرهاب وفرض إرادتها بالسلاح. ودعم الجبهات الدفاعية التابعة للقوات العسكرية، التي تحمي السكان والأراضي والمنشآت، مسؤولية عامة تمارس عبر مؤسسات الدولة. وعلى السلطات توفير احتياجات تلك القوات ورعاية جرحاها وأسر الضحايا، وتوحيد القرار الأمني تحت قيادة مسؤولة. 

كما يتطلب وقف الاعتداءات إنفاذ حظر السلاح، ومكافحة شبكات التهريب والتمويل غير المشروع، ومساءلة مرتكبي الجرائم.

وتشمل المساندة العامة للجبهات الدفاعية رعاية الجرحى، وإغاثة الأسر المتضررة، ودعم الخدمات التي تحتاج إليها المجتمعات القريبة من القتال، وحماية المعلومات التي قد يعرّض نشرها السكان للخطر.

ويكمل ذلك توثيق الانتهاكات بمهنية، والإبلاغ عن التهديدات عبر الجهات المختصة، ومقاومة تجنيد الأطفال، والتثبت من الأخبار. فهذه مساهمة عملية في حماية المجتمع وتعزيز صموده، ويجب أن تبقى منظمة وقانونية وأن تصون سلامة المدنيين.

وتتحمل السلطات مسؤولية جعل حماية الثروة ملموسة في حياة الناس. فشفافية الإيرادات، ومكافحة الفساد، وعدالة توزيع الخدمات، ودعم المجتمعات المنتجة، شروط لبناء الثقة بالمؤسسات. 

وإذا كانت الهجمات الحوثية تستنزف موارد الجنوب، فإن سوء الإدارة يضاعف أثرها. ومن ثم فإن الدفاع عن الموارد يتطلب حماية المنشآت وحسن إدارة عائداتها معًا. والمواطن الذي يتحمل كلفة الحرب يستحق خدمات وحقوقًا ومساءلة واضحة عن كل مورد عام.

والمقصود بإنهاء الخطر الحوثي هو تفكيك القدرة على الإرهاب والعدوان، ونزع أدوات الإكراه المسلح، وإخضاع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة القانونية. وتبقى حماية المدنيين وحقوقهم واجبة في كل منطقة، كما يبقى العمل السياسي السلمي مفتوحًا لمن يلتزم بالقانون. فنجاح المواجهة يقاس بقدرتها على استعادة الأمن والحقوق ومنع تكرار الاعتداءات.

إن وصف الحوثيين بأنهم خطر وجودي على الجنوب والجنوبيين وثرواتهم يستند إلى خطورة استمرار منظومة مسلحة تستطيع تهديد الأمن وتعطيل الاقتصاد وتقييد القرار. ومواجهة هذا الخطر تتطلب ردع الاعتداءات، ومساندة القوات النظامية في حماية السكان والأراضي، وتأمين الموارد، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم. 

وأي سلام قابل للاستمرار يجب أن ينهي قدرة الإرهاب على التحكم في حياة الناس، ويضمن ألا تبقى المنشآت المدنية في السعودية واليمن أهدافًا للابتزاز والعدوان.