> د. سعيد شرياف
في مقال سابق بعنوان «حين تصبح المصالحة ضرورة استراتيجية.. الجنوب والمملكة واليمن أمام لحظة إعادة الحسابات»، تناولنا أهمية إعادة بناء العلاقة بين المملكة العربية السعودية والقوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، انطلاقًا من حقيقة أن المصالح الاستراتيجية قد تفرض تجاوز الخلافات وإعادة قراءة المشهد السياسي والأمني بمنطق مختلف.
واليوم، تزداد هذه الفكرة أهمية في ظل التصعيد الحوثي ضد المملكة، وما يحمله من تهديدات للأمن الإقليمي، بالتزامن مع خطاب الرئيس عيدروس الزبيدي، ومليونيات التعبئة الشعبية التي شهدتها عدن ومحافظات جنوبية أخرى في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، وما صدر عنها من بيان ختامي تضمن رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل الجنوب وعلاقته بالأمن الإقليمي والدولي.
التهديد الحوثي يفرض إعادة الحسابات
إن استهداف المملكة والتهديدات التي تطال منشآتها الحيوية وأمنها المدني يؤكدان أن الخطر الحوثي لم يعد قضية يمنية داخلية، بل أصبح تحديًا يمس أمن المنطقة واستقرارها والممرات البحرية والتجارة الدولية.
ومواجهة هذا التهديد لا تقتصر على الإجراءات العسكرية والدفاعية، على أهميتها، بل تتطلب أيضًا مقاربة سياسية وأمنية شاملة، تستند إلى فهم واقعي للقوى الموجودة على الأرض، وإمكانات التعاون معها، وأهمية منع الانقسامات من إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الجنوب، بموقعه الاستراتيجي الممتد على خليج عدن وبحر العرب، وبإشرافه على مقاربات أمنية ترتبط بباب المندب والملاحة الدولية، فضلًا عن وجود قوى سياسية وعسكرية أصبحت جزءًا من المعادلة اليمنية.
ولا يعني ذلك أن الجنوب يستطيع وحده ضمان أمن المنطقة، وإنما يعني أن استقراره ومشاركة قواه في أي ترتيبات أمنية وسياسية فاعلة يمثلان عنصرين يستحقان الاهتمام في أي استراتيجية إقليمية جادة.
مليونيات 14 أكتوبر.. رسائل تتجاوز التعبئة الشعبية
جاءت مليونيات 14 أكتوبر وخطاب الزبيدي في لحظة إقليمية حساسة، وحمل البيان الختامي للفعاليات رسائل تتجاوز الاحتفاء بذكرى الثورة والتعبئة الشعبية.
وتكشف هذه الرسائل عن ترابط واضح، في رؤية القائمين على الفعالية، بين القضية الجنوبية والأمن الإقليمي ومستقبل إدارة المناطق الاستراتيجية في الجنوب.
فالتعبئة الشعبية تعبر عن موقف سياسي يستحق الدراسة، لكنها لا تغني عن الحوار، ولا تحسم وحدها شكل التسوية المستقبلية، كما أن إعلان الاستعداد لمواجهة الحوثيين لا يعني بالضرورة وجود اتفاقات أمنية مع المملكة.
المصالحة لا تعني الاتفاق على كل شيء
إن إعادة بناء العلاقة بين المملكة والمجلس الانتقالي لا تعني أن تتبنى الرياض المشروع السياسي للمجلس، كما لا تعني مطالبة المجلس بالتخلي عن رؤيته لمستقبل الجنوب قبل مناقشتها في إطار سياسي مسؤول.
فالخلاف حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب قضية سياسية جوهرية، ولا ينبغي أن يكون سببًا لتعطيل التعاون في الملفات الأمنية التي تتقاطع فيها المصالح.
ويمكن للأطراف أن تتفق على مواجهة التهديدات المشتركة، وحماية الملاحة، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار، مع استمرار الحوار حول القضايا السياسية المختلف عليها.
إن السياسة الواقعية لا تشترط تطابق المشاريع، بل تتطلب تحديد نقاط الاتفاق، وإدارة نقاط الخلاف، وبناء قواعد تمنع تحول التباينات السياسية إلى مواجهات عسكرية أو أزمات أمنية جديدة.
أحداث يناير.. معالجة الماضي لحماية المستقبل
لا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية دون معالجة آثار أحداث يناير 2026 في حضرموت، وما رافقها من مواجهات وسقوط ضحايا من أبناء الجنوب.
فالتجاوز السياسي لا يعني إنكار ما حدث، كما أن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد تجاهل الجراح التي خلفتها المواجهات.
والمطلوب هو فتح المجال لمعالجة الآثار الإنسانية والسياسية لهذه الأحداث، والبحث في ضمانات عملية تمنع تكرارها، بما يحفظ كرامة الضحايا ويهيئ الظروف لعلاقة أكثر استقرارًا.
الجنوب والقضية السياسية: لا إقصاء ولا احتكار
لقد أكد البيان الختامي لمليونيات 14 أكتوبر تمسك القائمين عليها باستعادة الدولة الجنوبية المستقلة، ودعا إلى الاعتراف بهذا المطلب إقليميًا ودوليًا.
وهذا يضع القضية الجنوبية في صلب النقاش بشأن مستقبل اليمن، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مسار سياسي سلمي يتيح للجنوبيين التعبير عن إرادتهم، ويضمن مشاركة مختلف مكوناتهم، ويحدد الخيارات المطروحة وآليات التوافق عليها.
فالمجلس الانتقالي يمثل قوة سياسية فاعلة في الجنوب، لكن القضية الجنوبية أوسع من أي مكون، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر دون حوار جنوبي يستوعب التنوع السياسي والاجتماعي والجغرافي.
ومن المهم كذلك أن تكون أي ترتيبات أمنية وعسكرية قائمة على وضوح المسؤوليات، والانضباط المؤسسي، واحترام القانون، ومنع توظيف القوة في الصراعات السياسية الداخلية.
فلا الإقصاء يضمن الاستقرار، ولا احتكار التمثيل يصنع توافقًا دائمًا.
من المصالحة إلى الشراكة.. ما المطلوب؟
إن الانتقال إلى مرحلة جديدة يتطلب خطوات عملية تتجاوز التصريحات المتبادلة.
أولها إطلاق حوار جاد بين المملكة والقيادات الجنوبية المعنية، يتناول الملفات الأمنية والسياسية، ويحدد المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة.
وثانيها بناء آليات واضحة للتنسيق الأمني، بما يعزز مواجهة التهديدات الحوثية ويحمي المنشآت المدنية والممرات البحرية، دون أن يكون التعاون الأمني بديلًا عن الحل السياسي.
وثالثها معالجة آثار أحداث يناير، وفتح مسار للحوار الجنوبي الداخلي، بما يعزز الثقة ويمنع عودة المواجهات.
أما الخطوة الرابعة، فهي العمل على مسار سياسي أوسع يتيح مناقشة مستقبل الجنوب ضمن عملية سلمية وتوافقية، دون فرض الوحدة أو الانفصال بالقوة، ودون مصادرة حق الجنوبيين في التعبير عن تطلعاتهم.
الخلاصة: الشراكة ضرورة يفرضها الواقع
إن التصعيد الحوثي، وخطاب الزبيدي، ومليونيات 14 أكتوبر، والبيان الصادر عنها، تضع العلاقة بين المملكة والجنوب أمام أسئلة استراتيجية لا يمكن تجاوزها.
فالمملكة تحتاج إلى أمن مستدام على حدودها الجنوبية، والجنوب يحتاج إلى الاستقرار وعلاقات إقليمية متوازنة ومسار سياسي يحترم تطلعات أبنائه، فيما يحتاج اليمن إلى تسوية تمنع استمرار الصراع وتحد من استغلال الانقسامات.
ولا يمكن تحقيق هذه المصالح من خلال الإقصاء أو فرض الإرادات، بل عبر الحوار وبناء الثقة وتحديد الالتزامات المشتركة.
إن المصالحة التي دعونا إليها في المقال السابق يمكن أن تكون مدخلًا إلى شراكة أوسع، لا تفرض على أي طرف التخلي عن رؤيته السياسية، لكنها تمنع الخلافات من التحول إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
فمواجهة الحوثيين تحتاج إلى تنسيق، والاستقرار يحتاج إلى شراكة، ومستقبل الجنوب يحتاج إلى مسار سياسي يحترم إرادة أبنائه ويستوعب تنوعهم.
والرسالة الأهم اليوم هي أن الاتفاق على المصالح الأمنية المشتركة لا يشترط الاتفاق على جميع القضايا السياسية، لكنه يتطلب إرادة جادة لإدارة الخلافات ومنعها من تقويض المستقبل.
















