> د. سعيد شرياف:
في المقالين السابقين، تناولنا ضرورة المصالحة بين المملكة العربية السعودية والقوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، ثم بحثنا إمكانات الانتقال من المصالحة إلى شراكة استراتيجية تستوعب اختلاف الرؤى السياسية، وتستند إلى المصالح المشتركة ومواجهة التحديات الأمنية.
اليوم، تبرز مسألة أكثر تحديدًا: ما الذي يجعل هذه الشراكة قابلة للاستمرار، وما الضمانات التي تحول دون عودة الخلافات إلى نقطة الصفر عند تغير الظروف أو تباين الحسابات السياسية؟
من هنا، فإن الانتقال من الشراكة إلى الضمانات ليس تغييرًا في عنوان العلاقة فحسب، بل انتقال من الحديث عن إمكانات التعاون إلى بحث الأسس التي يمكن أن تحميه من الانتكاس.
وقد أظهرت التجربة أن تباين المقاربات الإقليمية يمكن أن ينعكس على التوازنات المحلية، وأن غياب التنسيق قد يزيد من تعقيد الخلافات بين الأطراف اليمنية بدلًا من احتوائها.
ومن ثم، فإن المعيار الحقيقي لفاعلية التقارب لن يكون في مستوى التنسيق بين العاصمتين وحده، بل في قدرته على توفير مساحة أوسع للحوار السياسي، ومعالجة أسباب التوتر، ومنع تحول الاختلافات إلى صراعات محلية.
أما بالنسبة إلى العلاقة مع المملكة، فإن المطلوب ليس الاتفاق المسبق على جميع تفاصيل المشروع السياسي الجنوبي، بل إيجاد إطار للحوار يعترف بوجود القضية، ويتيح مناقشة مستقبلها، ويحدد مجالات التعاون الممكنة دون اشتراط التخلي عن الرؤى السياسية قبل بحثها.
إن وضوح الحدود بين هذه الملفات من شأنه أن يقلل سوء الفهم، ويمنع تحميل التفاهمات أكثر مما تحتمل، ويتيح لكل طرف الحفاظ على رؤيته السياسية دون تحويل الاختلاف إلى قطيعة.
فالضمانة الحقيقية لا تتمثل في كثرة البنود المكتوبة، بل في قبول الأطراف بها، ووضوح المسؤوليات، ووجود وسائل عملية لمتابعة التنفيذ، وإمكانية معالجة الخلافات من خلال إجراءات متفق عليها.
إن أي تفاهم يتجاهل هذه الجوانب قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لن يعالج بالضرورة أسباب فقدان الثقة. أما التعامل المسؤول معها، فيمكن أن يوفر أساسًا أكثر صلابة لأي مصالحة لاحقة.
بل إن الفصل الواضح بين التعاون في الملفات المشتركة، ومعالجة القضية السياسية، قد يساعد على منع الاختلاف بشأن شكل الدولة من التحول إلى عائق أمام جميع أشكال التعاون.
المسار الثالث: معالجة مؤسسية للخلافات. ويتضمن آليات للتشاور عند نشوء الأزمات، ومتابعة الالتزامات، ومعالجة آثار المواجهات السابقة، وتوفير وسائل سلمية لاحتواء التوتر قبل أن يتحول إلى صراع جديد.
كما تحتاج إلى إرادة سياسية من الأطراف المعنية؛ إذ لا يمكن لأي صيغة أن تضمن الاستقرار بمجرد الإعلان عنها إذا لم تكن هناك رغبة حقيقية في احترامها والعمل بموجبها.
إن الإجابة لن تحدد مستقبل العلاقة بين المملكة والجنوب فحسب، بل ستؤثر أيضًا في فرص بناء استقرار سياسي وأمني أكثر رسوخًا في المنطقة.
المسؤول معها، فيمكن أن يوفر أساسًا أكثر صلابة لأي مصالحة لاحقة.
بل إن الفصل الواضح بين التعاون في الملفات المشتركة، ومعالجة القضية السياسية، قد يساعد على منع الاختلاف بشأن شكل الدولة من التحول إلى عائق أمام جميع أشكال التعاون.
ويكتسب هذا السؤال أهمية في ضوء التقارب السعودي الإماراتي، وعودة الرئيس عيدروس قاسم الزبيدي إلى واجهة المشهد السياسي، وما يرافق ذلك من نقاش بشأن موقع الجنوب وقضيته في أي ترتيبات مقبلة.
فالتفاهمات الإقليمية قد تهيئ ظروفًا أفضل للحوار، لكنها لا تحسم وحدها مستقبل العلاقة بين المملكة والجنوب. كما أن تقاطع المصالح الأمنية لا يلغي الحاجة إلى تفاهمات سياسية واضحة، تعالج أسباب انعدام الثقة وتحدد قواعد التعامل مع الخلافات.
- التقارب السعودي الإماراتي.. فرصة مشروطة
يفتح التقارب بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة مجالًا لإعادة تقييم عدد من الملفات اليمنية، وفي مقدمتها العلاقة بين القوى السياسية والعسكرية التي تتقاطع مصالحها في مواجهة الحوثيين، لكنها تختلف في رؤيتها لمستقبل الدولة.
ولذلك، فإن أي تقارب سعودي إماراتي يمكن أن يسهم في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار، إذا انعكس على إدارة الملفات الخلافية، واحترام خصوصية القضية الجنوبية، والحد من التنافس الذي قد يدفع الأطراف المحلية إلى مواجهات جديدة.
لكن ينبغي التمييز بين التفاهم بين الرياض وأبوظبي، والتوصل إلى صيغة سياسية مقبولة بشأن الجنوب. فالتفاهم الإقليمي قد يساعد على تهيئة الظروف، لكنه لا يغني عن الحوار مع القوى الجنوبية، ولا يمنح أي طرف تفويضًا بحسم مستقبل الجنوب نيابة عن أبنائه.
- الزبيدي والمجلس الانتقالي.. موقع سياسي لا يمكن تجاهله
أعادت عودة الرئيس عيدروس الزبيدي إلى واجهة المشهد السياسي تسليط الضوء على القضية الجنوبية ومكانة المجلس الانتقالي في المعادلة اليمنية.
فالمجلس الانتقالي ليس مجرد طرف أمني يمكن حصر دوره في مواجهة الحوثيين، بل هو إطار سياسي تبنى مشروع استعادة الدولة الجنوبية، واستند حضوره إلى مسار الحراك والنضال الجنوبي، وإلى قاعدة شعبية ترى في هذا المشروع تعبيرًا عن تطلعاتها السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش بشأن مستقبل العلاقة بين المملكة والجنوب يحتاج إلى التعامل مع المجلس باعتباره أحد أبرز الفاعلين السياسيين الجنوبيين، لا تجاوز حضوره أو اختزال القضية التي يتبناها في ترتيبات أمنية مؤقتة.
لكن الاعتراف بالمكانة السياسية للمجلس لا يعني أن القضية الجنوبية محصورة فيه وحده؛ فهي أوسع من أي مكون، وتتطلب استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي في الجنوب، وتطوير آليات تتيح للجنوبيين التعبير عن خياراتهم بشأن مستقبلهم.
وهنا تكمن أهمية الجمع بين الاعتراف بالواقع السياسي القائم، واحترام حق الجنوبيين في تحديد مستقبلهم عبر مسار سياسي سلمي وواضح.
- الضمانات تبدأ من الاعتراف بطبيعة الخلاف
لا تنشأ الخلافات بين الأطراف بالضرورة من تعارض جميع مصالحها، بل قد تنشأ من اختلاف تفسير الأحداث، أو غموض الالتزامات، أو الشك في نيات الطرف الآخر، أو غياب آليات واضحة لمعالجة التباينات.
وهذه المسألة جوهرية في العلاقة بين المملكة والقوى الجنوبية؛ إذ يمكن أن تتقاطع المصالح في مواجهة الحوثيين وحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب، بينما يستمر الاختلاف بشأن شكل الدولة ومستقبل الجنوب وطبيعة الترتيبات السياسية.
ولذلك، فإن بناء الثقة لا يتطلب إنكار هذه الاختلافات، بل الاتفاق على كيفية إدارتها، ومنعها من التأثير سلبًا في مجالات التعاون الأخرى.
ويمكن أن يبدأ ذلك بتحديد الملفات التي تتوافر فيها مصالح مشتركة، والملفات التي تحتاج إلى حوار سياسي مستقل، مع وضع قواعد واضحة تمنع استخدام التعاون الأمني وسيلة لفرض خيارات سياسية، أو استخدام الخلاف السياسي مبررًا لتعطيل التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة.
- من التفاهمات العامة إلى آليات ملزمة
إذا كان الحوار هو المدخل إلى بناء الثقة، فإن استمراره يحتاج إلى آليات تتجاوز الاتصالات الموسمية واللقاءات التي تفرضها الأزمات.
ويمكن بحث إنشاء إطار منتظم للتشاور بين المملكة والقوى الجنوبية المعنية، يتناول التطورات الأمنية والسياسية، ويتيح مراجعة الالتزامات، ومعالجة الخلافات قبل تفاقمها.
ولا تقتصر أهمية هذا الإطار على تبادل وجهات النظر، بل تمتد إلى تحديد المسؤوليات، وتوضيح ما اتُّفق عليه وما لا يزال موضع خلاف، ووضع إجراءات متفق عليها للتعامل مع أي إخلال بالتفاهمات.
كما يمكن أن يتضمن الحوار بحث ترتيبات عملية للتعاون الأمني، تشمل حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وتبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات، وتعزيز أمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، وفق الأطر القانونية والمؤسسية المناسبة.
لكن هذه الترتيبات تظل مجالًا مقترحًا للنقاش، وليست دليلًا على وجود اتفاقات منجزة بين الأطراف.
- أحداث يناير.. من الذاكرة المؤلمة إلى منع تكرار المواجهات
لا يمكن فصل مستقبل العلاقة عن آثار أحداث يناير 2026 في حضرموت، وما ارتبط بها من مواجهات وخسائر بشرية وتوترات سياسية.
فاستعادة الثقة لا تتحقق بتجاهل هذه الأحداث، كما أن استحضارها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإدامة الخصومة. والمطلوب هو معالجة مسؤولة تحفظ حقوق المتضررين، وتوضح الوقائع والمسؤوليات وفق الإجراءات المناسبة، وتعمل على منع تكرار المواجهات.
وتكتسب هذه المعالجة أهمية خاصة إذا كان الهدف هو الانتقال من علاقة تتأثر بالأزمات المتعاقبة إلى علاقة تمتلك القدرة على احتواء الخلافات.
كما أن معالجة آثار المواجهات لا ينبغي أن تبقى محصورة في التفاهمات السياسية بين القيادات؛ إذ تحتاج إلى اهتمام بالحقوق الإنسانية، وبأوضاع المتضررين، وبالعوامل التي أسهمت في تصاعد التوتر.
- القضية الجنوبية ليست موضوعًا مؤجلًا
من الضمانات الأساسية لاستقرار العلاقة ألا يجري التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد حسم المواجهة مع الحوثيين، أو إدراجه ضمن تسوية عامة دون تحديد واضح لكيفية معالجته.
فالتعاون الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب، وطبيعة العلاقة بينه وبين الشمال، والخيارات السياسية التي يتطلع الجنوبيون إلى مناقشتها.
كما أن الاعتراف بالقضية الجنوبية لا يعني افتراض الاتفاق مسبقًا على نتيجة التسوية، بل يعني الإقرار بأن لها جذورًا ومطالب سياسية تستحق معالجة واضحة، وأن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُحسم بمعزل عن أبنائه.
وفي هذا السياق، فإن المطلوب هو مسار سياسي يتيح مناقشة الخيارات المطروحة، ويستوعب تعدد المواقف الجنوبية، ويحترم الوسائل السلمية في التعبير عن الإرادة الشعبية.
ولا يتعارض ذلك مع المصالح السعودية؛ إذ يمكن أن تتوافر مجالات واسعة للتعاون الأمني والاقتصادي والسياسي، بالتوازي مع استمرار الحوار بشأن مستقبل الجنوب.
- ما الذي يجعل الشراكة قابلة للاستمرار؟
يمكن تلخيص المتطلبات الأساسية في ثلاثة مسارات مترابطة.
المسار الأول: تفاهم سياسي واضح. ويقوم على حوار منتظم يحدد مجالات الاتفاق والاختلاف، ويعترف بالقضية الجنوبية ومكانة القوى السياسية الفاعلة فيها، دون افتراض تطابق الرؤى بشأن مستقبل الدولة.
المسار الثاني: تعاون أمني منظم. ويستند إلى تحديد المسؤوليات، واحترام الأطر القانونية والمؤسسية، وتبادل المعلومات، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ومنع استخدام الترتيبات الأمنية لتصفية الخلافات السياسية.
وتحتاج هذه المسارات إلى حوار جنوبي داخلي يوسع المشاركة، ويعزز التوافق بشأن القضايا المصيرية، ويتيح التعبير عن تنوع المواقف السياسية والاجتماعية.
- من الشراكة إلى الضمانات
إن التقارب السعودي الإماراتي، وعودة الزبيدي إلى واجهة المشهد، يتيحان فرصة لإعادة طرح العلاقة بين المملكة والجنوب على أسس أكثر وضوحًا. لكن تحويل هذه الفرصة إلى مسار مستقر يتطلب أكثر من توافق إقليمي أو تقاطع مؤقت في المصالح.
فالمملكة معنية بأمنها واستقرار جوارها، والجنوب معني بأمن أبنائه ومستقبل قضيته السياسية. وبين هاتين المصلحتين توجد مساحة واسعة للتعاون، لكنها تحتاج إلى قواعد تمنع الخلافات من تقويضها.
والمجلس الانتقالي الجنوبي، بما يمثله من إطار سياسي يتبنى مشروع استعادة الدولة الجنوبية، طرف رئيسي في أي حوار جاد يتصل بمستقبل الجنوب، مع ضرورة استيعاب التعدد الجنوبي وضمان مشاركة أبنائه في تحديد خياراتهم.
إن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس تكرار الدعوة إلى المصالحة أو الاكتفاء بالتأكيد على المصالح المشتركة، بل الانتقال إلى بحث الضمانات التي تحمي العلاقة: وضوح الالتزامات، وانتظام الحوار، واحترام الحقوق، والفصل بين التعاون الأمني والتسوية السياسية، ووجود آليات متفق عليها لمعالجة الخلافات.
فإذا كانت المصالحة قد فتحت باب التقارب، وكانت الشراكة قد حددت اتجاه العلاقة، فإن الضمانات هي التي يمكن أن تمنحها القدرة على الاستمرار.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يتصدر المرحلة المقبلة: هل تتحول فرصة التقارب الإقليمي إلى تفاهمات واضحة تحترم القضية الجنوبية وتضمن مشاركة الجنوبيين في مناقشة مستقبلهم، أم تظل العلاقة
محكومة بتوازنات ظرفية تتغير بتغير الأزمات؟
المسؤول معها، فيمكن أن يوفر أساسًا أكثر صلابة لأي مصالحة لاحقة.
- القضية الجنوبية ليست موضوعًا مؤجلًا
من الضمانات الأساسية لاستقرار العلاقة ألا يجري التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد حسم المواجهة مع الحوثيين، أو إدراجه ضمن تسوية عامة دون تحديد واضح لكيفية معالجته.
فالتعاون الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب، وطبيعة العلاقة بينه وبين الشمال، والخيارات السياسية التي يتطلع الجنوبيون إلى مناقشتها.
كما أن الاعتراف بالقضية الجنوبية لا يعني افتراض الاتفاق مسبقًا على نتيجة التسوية، بل يعني الإقرار بأن لها جذورًا ومطالب سياسية تستحق معالجة واضحة، وأن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُحسم بمعزل عن أبنائه.
وفي هذا السياق، فإن المطلوب هو مسار سياسي يتيح مناقشة الخيارات المطروحة، ويستوعب تعدد المواقف الجنوبية، ويحترم الوسائل السلمية في التعبير عن الإرادة الشعبية.
ولا يتعارض ذلك مع المصالح السعودية؛ إذ يمكن أن تتوافر مجالات واسعة للتعاون الأمني والاقتصادي والسياسي، بالتوازي مع استمرار الحوار بشأن مستقبل الجنوب.









