> عبدالرحمن الراشد:
مع استمرار النزاع في اليمن لعقد ونصف عقد مع الحوثي، هناك من يميل للتعاطي معه كسلطة الأمر الواقع بدلا من محاربته.
هذا طرح واقعي. يعيبه هو مشروع الحوثي نفسه. فالجماعة في صراع مع فكرة الدولة، وقد كشف سلوكها عن تمسكها بسلطة «التنظيم».
ومن هذه الزاوية، يصبح الوصول إلى الحكم وسيلة لتمكين مشروع الجماعة.
وبعد هيمنته كان ينتظر أن يصبح هو الدولة، والدولة هي الحوثي.
وجاءت التجربة الثانية عندما تحالف الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح معهم في شراكة في «الحكم»، وكان صالح يسيطر على معظم القوات المسلحة حينها، وهو خارج السلطة.
ويمكن أن يرى البعض أن هذا صراع على الحكم انتهى بتسيد الحوثي، وينبغى القبول بالأمر الواقع والتعامل معه.
ومن هنا تأتي المقارنة مع «داعش» و«حزب الله»، بوصفها مقارنة في العلاقة بالدولة، مع اختلاف العقائد والتجارب.
وفشلت الحكومات الغربية التي هادنته في تمدينه وتحويله إلى نظام طبيعي.
الحوثي، بخلاف ما يعتقده بعض الباحثين، هو وكيل إيراني آخر في المنطقة، وليس مشروع نظام حكم يمني عادي.
ولا تعنينا كثيرا آيدولوجيات الجماعة المتطرفة، بقدر ما يهم معرفة نواياها عندما تسيطر على دولة كاليمن.
فقد سبق التعامل مع معظم من حكم صنعاء في الماضي، بغض النظر عن هويته وآيدولوجيته.
يريد الحوثيون الاستفادة من موارد الدولة وأجهزتها واعتراف الآخرين بها، مع الاحتفاظ بالسلاح كجماعة وشن الحروب وفق ارتباطاتها الخارجية.
وتقدم أحداث 2013 ولعامين متتاليين، اختبارًا واضحًا لهم.
فقد تمت دعوتهم في مؤتمر الحوار، ووقعوا اتفاق السلم والشراكة الذي كوفئوا فيه بمقاعد وامتيازات خاصة لصعدة، وفتح لهم باب المشاركة التنفيذية. كان المطلب أن يسلموا الأسلحة المتوسطة والثقيلة لمؤسسات الدولة مقابل مشاركتهم. وانتهى المسار بسيطرتهم على مؤسسات الحكم، واحتجاز الرئيس هادي وحل البرلمان… إلخ. ثم قاموا بابتلاع المؤسسات وإقصاء الجميع، وكان من الطبيعي أن تندلع الحرب بين اليمنيين.
ليس تماما. فقد أنشأ شبكة من المشرفين تتمتع بسلطة فعلية موازية للمناصب الرسمية.
حتى صالح أخطأ في فهم الجماعة، وانتهى الأمر بقتله في الشارع عام 2017.
مرة أخرى، اذاً لما لا نكون واقعيين ونتعامل مع من أصبح يحكم صنعاء، كما كان يحدث في الماضي من الإمام يحيى إلى الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني، حتى الرئيس علي عبد الله صالح؟.
الحقيقة هذا ما جرى وتم تجريبه، لكن الحوثي كجماعة مؤدلجة لم تقبل أن تتحول إلى دولة، واستمرت تشن الحروب على جارتها السعودية والمنطقة، وقبل ذلك على الشعب اليمني. واستمر كتنظيم مسلح، له مؤسساته الموازية.
تنظيم «داعش» حالة متقدمة، إذ رفض الدول القائمة، وسعى إلى إقامة خلافة تتجاوز حدوده، أراد دولة بمقاييس عقيدته.
أما «حزب الله» فقد خلق نموذجا يجمع المشاركة في مؤسسات الدولة مع الاحتفاظ بقوة مسلحة واستقلال عن مساءلتها، ويعمل كجماعة مرجعيتها خارجية.
لا يمكننا أن نقول إن الحوثي دولة يمنية، «الإمامة الحوثية اليمنية»، مثلما كانت «المتوكلية» أو «الجمهورية»، لأنها جماعة تابعة لإيران. الحوثي في صنعاء كان إلى حد ما مثل «داعش» في الموصل أو «حزب الله» في جنوب لبنان، صمم دولة بمقاييس عقيدته.
هل هذا التمرد نتيجة أن الحوثي لم يعط فرصة من قبل جيرانه والمجتمع الدولي؟ الواقع كان العكس تماما. فالأميركيون والأوروبيون والأمم المتحدة أعطوه فرصة لم تحلم بمثلها كل التنظيمات المسلحة في المنطقة، وجاء اتفاق استوكهولم لينقذه من الهزيمة والانهيار.
ثم جربت الرياض، بمشاركة من مسقط، وبتنسيق مع المبعوث الأممي حينها، إغراء الحوثي بأن يكون جارا مسالما بالاتفاق على الابتعاد عن الحرب، ودفعت رواتب موظفيه، وفتح له المطار والميناء، وأرسل له وفد زاره في «عاصمته» صنعاء في دلالة اعتراف سياسية كبيرة، لم يفوتها الحوثي بالدعاية الصاخبة، واستفاد منها بمكاسب سياسية ومعيشية.
خلال فترة محاولات تأهيل الحوثي ليكون «دولة» جارة محترمة، كان هو في الوقت نفسه يغافلهم مع إيران ببناء قدرات عسكرية هجومية، ولم ينته عام 2023 حتى عاد ليمارس نشاطه كجماعة مسلحة عابرة للحدود.
وهناك فروقات واضحة بين الحليف والتابع. الحليف هو من مصالحه تتفق مع مصالحك. أما التابع فتكون إرادته مقيدة بإرادتك.









