> «الأيام» العرب:

لا تبدو التطورات المتسارعة في اليمن مجرد محاولة لاحتواء هجمات الحوثيين على السعودية واستعادة المواقع التي خسرتها القوات المناهضة للجماعة، بل تفتح الباب أمام احتمال اتساع المواجهة إلى مستوى إقليمي، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مستقبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتوقيت الانتخابات الأميركية النصفية في الثالث من نوفمبر المقبل.

وتتزامن مؤشرات التحرك على الجبهة اليمنية مع اتصالات سعودية لتوسيع دائرة الدعم العسكري، واستعداد مصري معلن لمساندة المملكة، وتحركات تركية وباكستانية في إطار اتفاق الدفاع المشترك، إلى جانب تقارير عن بحث دمشق تقديم مساعدة عسكرية. ويعزز هذا التزامن فرضية أن الرياض تسعى إلى بناء شبكة دعم أوسع لمواجهة الحوثيين، وإن كانت طبيعة مشاركة كل طرف وحجمها لا يزالان متفاوتين.

لكن تجميع هذه التحركات في صورة خطة إقليمية موحدة لإسقاط الحوثيين، بالتزامن مع هجوم أميركي إسرائيلي جديد على إيران، يتجاوز ما تؤكده المعلومات المتاحة. فالمؤشرات تدل على ارتفاع الاستعدادات وتداخل الجبهات، لا على وجود قرار معلن بفتح حرب متزامنة على الحوثيين وإيران.

ويمثل الموقف المصري أبرز التطورات الجديدة في هذا المسار. فقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد، استعداد القاهرة لتقديم الدعم اللازم والممكن للسعودية، بعد اجتماع مجلس الدفاع الوطني الذي أكد أن أمن المملكة يرتبط بالأمن القومي المصري والعربي.

ويكتسب الموقف المصري أهميته من أن القاهرة سبق أن شاركت في التحالف الذي تدخل في اليمن عام 2015، وإن ظل دورها القتالي محدودًا. أما الآن، فإن ربط الدعم بالدفاع عن أمن السعودية وأراضيها ومنشآتها ومقدساتها الإسلامية يتيح للقاهرة هامشًا للتحرك، من دون أن يعني تلقائيًا قرارًا بإرسال قوات برية إلى اليمن.

وتبدو هذه الصيغة مناسبة لمرحلة تحاول فيها الرياض توسيع قاعدة المساندة من دون تحميل طرف واحد وحده كلفة المواجهة.

وتتجه الأنظار أيضًا إلى دمشق، بعدما أفادت «رويترز» في السابع من أكتوبر بأن سوريا تدرس تقديم مساعدة عسكرية للسعودية في مواجهة الحوثيين، استنادًا إلى مسؤول أميركي ومسؤول عسكري سوري. وتضمنت الخيارات المطروحة دعمًا دفاعيًا لحماية المملكة، أو مشاركة قوات في عمليات ضد الحوثيين.

لكن إرسال قوات سورية إلى اليمن لم يُعلن رسميًا، كما نقلت تقارير لاحقة نفيًا سوريًا لوجود طلب سعودي مؤكد لنشر قوات في المملكة أو اليمن. ولذلك، فإن الحديث عن مشاركة سورية برية يظل احتمالًا قيد التداول، لا خطوة محسومة.

وتزداد أهمية هذا المسار إذا قررت الرياض توسيع المواجهة البرية، نظرًا إلى أن القوات اليمنية المحلية ستظل العنصر الأساسي في القتال على الأرض، بينما يمكن للقوى الخارجية أن توفر التدريب والإسناد والإمدادات. غير أن إرسال قوات من دول أخرى إلى بيئة يمنية معقدة قد يفتح جبهات جديدة، ويرفع الكلفة السياسية والعسكرية للتدخل.

أما تركيا وباكستان، فتتحركان ضمن اتفاق الدفاع المشترك الذي يربطهما بالسعودية. وأفادت تقارير في السابع من أكتوبر بأن أنقرة تقدم دعمًا دفاعيًا وفنيًا للمملكة، فيما أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن بلاده تدرس سبل المساعدة، مع استبعاد دور هجومي مباشر في اليمن.

وبالنسبة إلى باكستان، فإن التقارير عن المساندة العسكرية والاستشارية تعكس تنامي دورها الأمني إلى جانب السعودية.

وفي موازاة هذه التحركات، يشير تقرير «الغارديان» في 17 أكتوبر إلى تفاهم سعودي إماراتي لاستئناف التمويل الإماراتي لقوات جنوبية مناهضة للحوثيين، مقابل توفير غطاء جوي سعودي.

ومن هنا، قد يصبح التنسيق بين الرياض وأبوظبي مدخلًا لإعادة تشكيل المعسكر المناهض للحوثيين.

ويتصل هذا التحول في اليمن بمسار الحرب مع إيران، فقد يؤدي تأجيل المواجهة المباشرة مع إيران إلى زيادة أهمية الجبهة اليمنية بالنسبة إلى الرياض، التي تواجه تهديدات مباشرة من الحوثيين وتخشى على منشآتها النفطية وممرات التصدير. وفي المقابل، يمكن أن تنظر طهران إلى استمرار الضغط على الحوثيين باعتباره جزءًا من المواجهة الأوسع معها، بما يرفع مخاطر انتقال التصعيد بين الجبهات.

إلا أن هذا الترابط لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستستخدم الحرب في اليمن تمهيدًا لهجوم جديد على إيران، أو أن الدول المشاركة في دعم السعودية وافقت على خطة إقليمية متكاملة. فلكل طرف حساباته ومخاوفه، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الحرب والضغوط السياسية الداخلية قد يدفع الولايات المتحدة إلى ضبط التصعيد بدلًا من توسيعه.

وتتجه الأزمة اليمنية إلى مرحلة أكثر خطورة مع تزايد الهجمات الحوثية، واتساع البحث عن دعم إقليمي للسعودية، وتراجع فرص احتواء المواجهة عبر التفاهمات السابقة.

وقد تتحول هذه التحركات إلى مقدمة لمواجهة أوسع إذا اتسعت العمليات البرية وتعرضت الأراضي السعودية أو الملاحة الدولية لهجمات جديدة.