ليس في اليمن بيتٌ لم يطرق الحزن بابه، ولا قلبٌ لم تترك فيه سنوات الصراع ندبةً، ولا أسرةٌ لم تتذوق مرارة الفقد أو الخوف أو الانتظار.

وفي كل مرةٍ يصلنا فيها خبرٌ عن ضحايا جدد، من أي بقعةٍ في هذا الوطن، نشعر أن جرح اليمن يتسع، وأن وجع أهله أكبر من أن تحتويه الكلمات.

ومن هنا، فإن عزاءنا اليوم ليس لمنطقةٍ دون أخرى، ولا لفئةٍ دون غيرها، بل هو عزاءٌ لليمن كله؛ من شبوة إلى تعز، ومن صعدة إلى عدن، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب. عزاءٌ لكل أمٍّ فقدت ابنها، ولكل أبٍ ينتظر عودة ابنه، ولكل زوجةٍ انطفأ جزءٌ من روحها، ولكل طفلٍ صار اليُتم جزءًا من حكايته.

ويبقى الأثر: اليمن الجريح.. عزاءٌ لوطنٍ أنهكته الفتن
ويبقى الأثر: اليمن الجريح.. عزاءٌ لوطنٍ أنهكته الفتن

فالحزن لا يعرف حدود المناطق، والدمعة لا تحمل هويةً سياسية، وحرمة الإنسان لا تتغير بتغيّر المكان الذي ينتمي إليه.

وحين نواسي أهل ضحايا حادثةٍ في منطقةٍ ما، فإننا لا ننسى ضحايا المناطق الأخرى، ولا نقلل من أوجاعهم، ولا نمنح حزنًا حقًّا أكبر من حزنٍ آخر. إنما نحاول أن نقول إن هذا الوطن، بكل جراحه وأبنائه، يستحق أن نتألم لأجله، وأن نتراحم فيما بيننا، بدلًا من أن نضيف إلى مآسيه مزيدًا من الفرقة والخصام.



الخصومة لا تُسقط المروءة

ومن المؤلم أن تتحول مآسي الأوطان أحيانًا إلى مساحةٍ للشماتة وتبادل الاتهامات، وكأن الخلافات تُبيح للإنسان أن يفرح بوجع الآخرين، أو أن يرى في قصف أرضٍ يختلف مع أهلها مناسبةً للتشفي والانتصار للنفس.

وهنا، لا بد من كلمةٍ تُقال بوضوح: إن اختلفنا، فلا ينبغي أن نفقد إنسانيتنا، وإن خاصمنا، فلا يجوز أن تسقط المروءة من حساباتنا.

فليس من شيم الكرام أن يشمت الإنسان في دماءٍ تُراق، أو أن يفرح بمصاب أناسٍ لأنهم ينتمون إلى منطقةٍ يختلف معها، أو لأن بينهم وبينه خصومةً أو خلافًا.

قد تتباين المواقف، وتتعارض الآراء، وتشتد الخصومات، لكن هناك حدودًا أخلاقية لا ينبغي أن نتجاوزها؛ في مقدمتها حرمة الإنسان، ووجع أهله، وحقه في الرحمة والمواساة.

فالشماتة لا تُعيد حقًّا، ولا تجبر كسرًا، ولا تُحيي مفقودًا، ولا تُخفف ألم أمٍّ تنتظر خبرًا عن ابنها. بل إنها تضيف إلى الفقد وجعًا آخر، وتكشف عن قسوةٍ لا تليق بمن يعرف معنى أن يفقد الإنسان عزيزًا.

ليس من المروءة أن نفرح بمصيبة أرضٍ لأننا نختلف مع أهلها، وليس من الشجاعة أن نحتفل بوجع الآخرين، وليس من الانتصار أن نشمت بدمعة أمٍّ أو انكسار أسرة.

فالمروءة الحقيقية أن تبقى إنسانًا حتى مع من تختلف معه، وأن تحفظ للخصومة حدودها، فلا تجعلها مبررًا للشماتة، ولا تسمح للخلاف أن ينتزع من قلبك الرحمة.



اليمن أكبر من خلافاتنا

لقد أنهكت الحروب اليمن، وأخذت من أهله أعمارًا وأحلامًا وأحبة، وخلّفت في النفوس ما لا تمحوه السنوات بسهولة. وما أحوجنا اليوم إلى أن نكون سندًا لبعضنا، لا سببًا في تعميق جراح بعضنا.

لسنا مضطرين إلى الاتفاق في كل شيء حتى نتعاطف، ولا إلى توحيد مواقفنا حتى نحترم أحزان الآخرين. يكفي أن نتذكر أننا بشر، وأن الموت حين يخطف عزيزًا لا يسأل عن انتمائه، وأن الدموع حين تنهمر لا تميّز بين منطقةٍ وأخرى.

إن مواساة أهل الضحايا ليست موقفًا ضد أحد، وليست انتصارًا لطرفٍ على طرف، بل هي موقفٌ إنساني وأخلاقي، ورسالةٌ تقول إن الدم اليمني ليس مادةً للتشفي، وإن أوجاع اليمنيين لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلةٍ لتصفية الحسابات.

ومن حق كل أمٍّ أن يُحترم حزنها، ومن حق كل أسرةٍ أن تُصان حرمة مصابها، ومن حق كل منطقةٍ أن تجد من يواسي أهلها حين تنزل بهم المحن، دون أن يُطلب منهم أولًا إثبات أنهم يستحقون التعاطف.

إننا لا نحتاج إلى مزيدٍ من القلوب المتشفية، بل إلى ضمائر حيّة تدرك أن المصيبة تستوجب الرحمة، لا التعيير؛ وأن الموت يستدعي المواساة، لا الاحتفال بأوجاع الآخرين.

ولعل من أصدق ما يمكن أن نقدمه لهذا الوطن الجريح أن نختلف دون أن نتوحش، وأن نخاصم دون أن نتجرد من أخلاقنا، وأن نختلف في الرأي دون أن نختلف على حق الإنسان في الكرامة والرحمة.



عزاءٌ لوطنٍ كامل

إلى كل أمٍّ يمنيةٍ فقدت ابنها، وإلى كل أبٍ أثقلته المصائب، وإلى كل زوجةٍ تجرعت مرارة الفراق، وإلى كل طفلٍ يبحث عن وجهٍ غاب ولن يعود، وإلى كل أسرةٍ تعيش على رجاء خبرٍ يطمئن قلبها: قلوبنا معكم، ودعاؤنا لكم، وألمكم ليس غريبًا عنا.

وإلى كل من يظن أن اختلافه مع منطقةٍ أو جماعةٍ يمنحه الحق في الشماتة بمصابها، نقول: راجعوا إنسانيتكم قبل مواقفكم، ومروءتكم قبل خصوماتكم؛ فالأوطان لا تُشفى بالشماتة، والقلوب لا تتصالح بالكراهية، والإنسان لا يكبر بانتصاره على وجع غيره، بل بقدرته على الترفع عن الإساءة حين يكون قادرًا عليها.

رحم الله ضحايا اليمن جميعًا، وجبر قلوب أهلهم، وحفظ من بقي، وردّ إلى هذا الوطن أمنه وسلامه، وألّف بين قلوب أبنائه، وأبعد عنهم نار الحرب ومرارة الفقد.

فاليمن ليس شبوة وحدها، ولا تعز وحدها، ولا عدن أو صنعاء أو صعدة وحدها؛ اليمن هو كل أبنائه، وكل أرضه، وكل بيتٍ أنهكه الحزن.

ولن يلتئم جرحه ما دمنا نزن آلام بعضنا بميزان الخصومة، ولن ينهض ما دمنا نرى في مصائب الآخرين فرصةً للشماتة، بدلًا من أن نراها نداءً للرحمة والتكاتف.

فلنختلف كما نشاء، ولنتباين في الرؤى والمواقف، لكن لنبقَ بشرًا تجمعنا حرمة الدم، وكرامة الإنسان، ووجع الوطن.

ويبقى الأثر.. حين تكون الكلمة عزاءً لوطن، والرحمة موقفًا، والمروءة خُلُقًا لا تسقطه الخصومة، والسلام أمنية شعبٍ طال انتظاره.