ثمة أوجاع لا ينبغي أن تتحوّل إلى مادة للتداول، مهما كانت فداحة ما تحمله من حقيقة، وثمة لحظات إنسانية تستحق منّا أن نضع هواتفنا جانبًا، ونقترب بقلوبنا بدلًا من عدساتنا.
ما يحدث مؤخرًا في تعز باليمن يوجع القلب. منذ الأمس، تتناقل الصفحات صورة أمّ تحمل ابنتها الشهيدة على كتفها. ومنذ لحظات، أدمت قلبي صورة طفلة صغيرة تبكي وتصرخ وهي تحفر قبر أمها، في مشهد يفوق قدرة قلبها الصغير على الاحتمال.
هل يمكن لوجع أمٍّ فقدت ابنتها، أو لطفلة فقدت أمها، أن يصبح ترندًا؟
ربما أوجعني مشهد الطفلة على نحو خاص؛ لأنني أعرف شيئًا من ثقل تلك اللحظة. قبل عامين، كنت حاضرةً لحظة دفن أمي، وما زلت، حتى اليوم، أعاني من أثر ذلك المشهد. فكيف لطفلة لم تتجاوز الخامسة أن تحتمل وجعًا كهذا؟ وكيف لذاكرتها الصغيرة أن تستوعب مشهدًا قد يرافقها سنوات طويلة؟
لا أكتب هذا اعتراضًا على توثيق الجرائم أو نقل الحقيقة إلى العالم؛ فتوثيق الانتهاكات ضرورة حتى لا تُطمس الجرائم ولا تُنسى الضحايا. لكن ثمة فرقًا بين أن نوثّق الألم لنحفظ الحقيقة، وبين أن ننشر صور المكلومين ونحوّل لحظات انكسارهم إلى مشاهد يتداولها الغرباء.
ليست الصورة مقياسًا للفقد، وليس التداول دليلًا على عدالة التعاطف.
بعض اللحظات لا تحتاج إلى كاميرا، بل إلى قلب. بعض الأطفال لا يحتاجون إلى آلاف التعليقات على صورهم، بل إلى ذراع تحتضنهم، ويد تمسح دموعهم، وشخص يحميهم من قسوة العالم بقدر ما يستطيع.
رحم الله شهداء تعز واليمن، وربط على قلوب أمهاتهم، وجبر قلوب الأطفال الذين انتُزع منهم الأمان قبل أوانهم.
فلنختر أن نكون رحمةً لا انتهاكًا، واحتضانًا لا عدسةً تلاحق الدموع؛ لأن إنسانيتنا لا تُقاس فقط بمدى تأثرنا بوجع الآخرين، بل بما نفعله لحمايتهم منه، وبما نختار ألّا ننشره عنهم.









