لن يقبل اليمنيون العودة إلى نظام حكم يشبه نظام علي عبدالله صالح، ولا إلى أنظمة الحكم الشمولية التي عرفتها البلاد قبل الوحدة، كما أن الانفصال على الطريقة التي يطرحها عيدروس الزبيدي لا يمثل بالضرورة حلًا عادلًا للقضية الجنوبية، ولا ضمانة لبناء دولة مستقرة.
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا من دمائهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم جراء الصراعات على السلطة والثروة. وبعد سنوات من الحرب والدمار والتشرد، لم يعد مقبولًا إعادة إنتاج أنظمة الحكم التي أسهمت في صناعة الأزمات، أو استبدال هيمنة مركزية بأخرى، أو جر البلاد إلى صراعات جديدة.
إن جوهر الأزمة اليمنية يكمن في طبيعة النظام السياسي، وفي احتكار القرار وتوزيع الثروة، وفي غياب الضمانات التي تحول دون استئثار فرد أو جماعة بالحكم. وقد كشفت التجارب السابقة أن معالجة هذه الاختلالات لا تتحقق بتغيير الحاكم وحده، وإنما ببناء نظام سياسي يضمن المشاركة والعدالة والمساءلة.
وحين أقر مؤتمر الحوار الوطني مشروع الدولة الاتحادية، كان الهدف معالجة اختلالات الحكم المركزي وتأسيس شراكة وطنية أكثر عدالة. لكن الحوثيين وعلي عبدالله صالح عارضا هذا المشروع، وانتهى تحالفهما إلى الانقلاب على مؤسسات الدولة وإشعال الحرب التي دفع اليمنيون في الشمال والجنوب أثمانها الباهظة.
واليوم، لا يمكن أن يكون الحل بالعودة إلى حكم الفرد أو فرض سلطة أيديولوجية ومذهبية، كما لا ينبغي افتراض أن الانفصال وحده سيعالج مشكلات الجنوب ويضمن حقوق أبنائه. فالأزمة أعمق من أسماء الحكام وحدود الدول، وتتطلب معالجة سياسية تعيد بناء العلاقة بين المواطن والسلطة على أسس واضحة.
إن المخرج الذي يستحق أن يتوافق عليه اليمنيون هو دولة اتحادية ديمقراطية تنهي احتكار السلطة، وتمنح كل إقليم حق إدارة شؤونه بنفسه، وتضمن توزيعًا عادلًا للثروة والموارد، في إطار دستور يحمي الحقوق والحريات والمساواة.
وتعني هذه الدولة أن تكون للأقاليم سلطاتها المنتخبة ومؤسساتها وصلاحياتها الدستورية في إدارة شؤونها المحلية، بينما تتولى الحكومة الاتحادية القضايا السيادية المشتركة، وفقًا للدستور. ولا تكتمل هذه الصيغة بمجرد تقسيم إداري، وإنما تحتاج إلى قضاء مستقل، وجيش وطني، وأجهزة أمنية خاضعة للقانون، ومؤسسات تضمن الشفافية والمساءلة والتداول السلمي للسلطة.
أما القضية الجنوبية، فلا يمكن حلها بتجاهل جذورها التاريخية والسياسية أو اختزال تمثيل الجنوب في قيادة أو فصيل واحد. المطلوب هو الاعتراف بالمظالم، وضمان مشاركة الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، والتوصل إلى صيغة سياسية عادلة تحمي حقوقهم وتطلعاتهم. فالجنوب أكبر من أن يحتكره شخص أو حزب، كما أن الشمال ليس كتلة سياسية واحدة يمكن تحميل جميع أبنائها مسؤولية ممارسات سلطة أو جماعة بعينها.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول الفيدرالية إلى سلطات محلية مستبدة أو إقطاعيات سياسية وعسكرية. فحق الإقليم في إدارة شؤونه يجب أن يقترن بحق مواطنيه في انتخاب ممثليهم ومحاسبتهم، وألا يُحرم أحد من حقوقه بسبب منطقته أو انتمائه السياسي أو المذهبي. كما ينبغي أن يقوم توزيع الموارد على قواعد دستورية واضحة تراعي احتياجات الأقاليم وقدراتها الاقتصادية، وتضمن التضامن بين المناطق الغنية والفقيرة.
إن الوصول إلى هذا المشروع يتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا، وحوارًا جادًا يشارك فيه مختلف المكونات، واتفاقًا على قواعد الحكم قبل تقاسم المناصب. كما يتطلب ترسيخ مبدأ أن الوصول إلى السلطة يكون عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، لا بقوة السلاح، وأن حق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم ليس امتيازًا تمنحه جماعة أو تسلبه أخرى.
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن أي تسوية تتجاهل المظالم أو تستبعد مكونات رئيسية ستظل عرضة للانهيار. لذلك، لا يكفي وقف الحرب ما لم يصاحبه اتفاق على طبيعة الدولة، وضمانات تمنع الاستبداد وتتيح لليمنيين إدارة خلافاتهم عبر المؤسسات والقانون.
إن اليمن لا يحتاج إلى انتصار منطقة على أخرى، وإنما إلى انتصار فكرة الدولة على الاستبداد، والمواطنة المتساوية على الامتيازات، والديمقراطية على السلاح. دولة اتحادية تحكمها المؤسسات، ويشارك أبناؤها في صناعة القرار، وتدير أقاليمها شؤونها بحرية ومسؤولية، وتجمعهم المصالح المشتركة والحقوق المتساوية.









