> طهران «الأيام» وكالات:

​تتعامل إيران مع احتمال تجدد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتباره سيناريو يتطلب الاستعداد له، في وقت تتزايد فيه التقارير عن بحث خيارات لضرب منشآت نووية وعسكرية إيرانية، بالتوازي مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية من دون اختراق واضح.

ومن المؤشرات العملية على تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة، قرار وزارة الخارجية الأميركية في 21 أكتوبر سحب الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم من بعثاتها في السعودية، في خطوة ربطتها واشنطن بتزايد هجمات الحوثيين على المطارات والمنشآت الحيوية داخل المملكة.

وأفادت وكالة «رويترز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن بعثات دبلوماسية أخرى في الخليج تستعد أيضاً لإخراج عائلات موظفيها، فيما ذكرت تقارير أن التعليمات شملت عائلات العاملين في السفارات الأميركية بالإمارات والأردن وقطر والبحرين. لكن الخارجية الأميركية أوضحت أن أمر المغادرة الذي أكدته رسمياً يخص الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم في السعودية، ما يستدعي التمييز بين القرار المعلن والتقارير المتعلقة ببقية البعثات.

وتكتسب هذه الإجراءات دلالة تتجاوز الاحتياط الدبلوماسي المعتاد، لأنها تأتي في بيئة إقليمية تتداخل فيها الهجمات الحوثية على السعودية مع احتمالات تجدد المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران. كما أن تقليص الوجود الدبلوماسي أو إبعاد العائلات لا يثبت بحد ذاته أن ضربة عسكرية وشيكة، لكنه يشير إلى أن واشنطن ترفع مستوى استعدادها لاحتمال تدهور الوضع الأمني، وتعمل على الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها موظفوها إذا اتسعت رقعة القتال.

وتبقى المسألة الأهم هي ما إذا كانت هذه الاحتياطات ستظل إجراءات وقائية مرتبطة بالتهديدات القائمة، أم ستترافق مع مؤشرات عسكرية وسياسية إضافية على اقتراب جولة جديدة من المواجهة.

وتكشف تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي عن مخاوف طهران من أن تتحول المرحلة المقبلة إلى اختبار جديد للقدرة على الردع، وأن يتداخل توقيت أي عملية عسكرية مع الحسابات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال رضائي، في مقابلة مع موقع «دروب سايت»، إن احتمال بدء عمليات قصف واسعة قبل الانتخابات الإسرائيلية قائم، متحدثاً عن إمكانية تنفيذ واشنطن ضربة وصفها بأنها «رمزية» ضد موقع نووي إيراني شديد التحصين، مثل جبل الفأس. ووفق السيناريو الذي طرحه، قد تبدأ إسرائيل باستهداف الدفاعات الجوية الإيرانية لتهيئة المجال أمام القاذفات الأميركية، بما يجعل الدور الإسرائيلي تمهيدياً لعملية أميركية أوسع.

وتظل هذه التصريحات تقديرات صادرة عن مسؤول إيراني، وليست تأكيداً على اتخاذ قرار بالهجوم. لكنها تكتسب أهمية إضافية في ضوء تقارير صحفية حديثة تحدثت عن إعداد الولايات المتحدة وإسرائيل خيارات لعمليات عسكرية جديدة ضد إيران، قد تشمل منشآت نووية وطاقوية ومخزونات الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ونقل تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن التخطيط العسكري يجري على خلفية تعثر المفاوضات، مع ترجيح بعض المسؤولين أن يكون تنفيذ أي عملية جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر، من دون حسم القرار السياسي النهائي.

ويضع العامل الانتخابي أي تحرك عسكري محتمل أمام معادلة معقدة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في الثامن من أكتوبر أن واشنطن لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، مشيراً إلى وجود محادثات وصفها بالإيجابية. لكن تقارير لاحقة تحدثت عن استعدادات عسكرية لاحتمال استئناف الضربات بعد الاقتراع، وهو ما يعكس الفارق بين تحديد الخيارات المتاحة للقيادة السياسية واتخاذ قرار بتنفيذها.

ولا يعني ذلك أن الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية ستحدد وحدها مسار الحرب، لكن التوقيت السياسي قد يؤثر في حسابات المخاطر والكلفة. فالضربة المحدودة التي تستهدف منشأة نووية محصنة قد تُطرح باعتبارها وسيلة لإظهار القدرة على إلحاق الضرر بالبرنامج النووي الإيراني، من دون العودة مباشرة إلى حرب مفتوحة. غير أن وصفها بالرمزية لا يجعلها بالضرورة محدودة النتائج؛ إذ قد تدفع طهران إلى رد واسع، وتعيد استهداف المنشآت العسكرية والاقتصادية في المنطقة.

وتشير تقارير عن المناقشات العسكرية الأميركية والإسرائيلية إلى أن الخيارات المطروحة لا تقتصر على المواقع النووية، بل تشمل أيضاً البنية التحتية للطاقة وقدرات الصواريخ والمسيّرات. ومع ذلك، لا تزال نتائج أي حملة جديدة موضع خلاف، إذ لا يوجد ما يضمن أن تؤدي الضربات إلى تغيير الموقف الإيراني أو فرض تنازلات تفاوضية.

في المقابل، يوسّع رضائي نطاق التهديد الإيراني المحتمل، محذراً من أن كابلات الاتصالات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي قد تدخل ضمن الأهداف إذا تجدد القتال. ويعكس هذا التهديد اتساع مفهوم البنية التحتية التي يمكن أن تتأثر بالحرب، بحيث لا تقتصر التداعيات على المنشآت العسكرية أو النفطية، بل تمتد إلى شبكات الاتصالات والخدمات الرقمية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة.

ويحمل التلويح بهذه الأهداف رسالة ردع إلى واشنطن وحلفائها، مفادها أن أي هجوم على إيران قد تترتب عليه كلفة تتجاوز حدود أراضيها. لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها في خدمات مدنية واقتصادية حيوية، خصوصاً إذا انتقلت التهديدات من التصريحات إلى عمليات فعلية.

واتهم رضائي ترامب بتجاهل مقترح إيراني لإنهاء الحرب، وقال إن واشنطن لا تملك خطة واضحة أو قابلة للتنفيذ، في حين تشير تقارير إلى استمرار الخلاف بشأن شروط التفاوض، بما في ذلك البرنامج النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز. وذكرت «رويترز» أن طهران تتمسك بربط تقدم المحادثات بتنازلات أميركية، بينها رفع الحصار البحري والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، فيما يظل انعدام الثقة بين الطرفين عقبة رئيسية أمام التسوية.

وتبدو طهران بذلك أمام مسارين متوازيين: محاولة منع ضربة جديدة عبر التهديد برفع كلفتها، والإبقاء على مساحة للتفاوض رغم استمرار الخلافات. أما واشنطن، فتواجه بدورها معضلة الانتقال من الضغط العسكري إلى تسوية قابلة للاستمرار، من دون ضمان أن تؤدي جولة جديدة من القصف إلى نتائج سياسية مختلفة.

وبين التصريحات الإيرانية والتقارير عن التخطيط العسكري، لا تبدو الحرب حتمية، لكنها لم تعد احتمالاً يمكن استبعاده. وسيظل الاختبار الأساسي هو ما إذا كانت التهديدات المتبادلة ستمنح الدبلوماسية فرصة إضافية، أم تتحول إلى مقدمة لتصعيد جديد تتجاوز آثاره المنشآت المستهدفة إلى أمن المنطقة واقتصادها وبنيتها الرقمية.