> الرياض«الأيام» وكالات:

​تتجه العلاقات الأردنية السعودية نحو مزيد من التنظيم المؤسسي، مع توقيع البلدين بروتوكولاً معدلاً لمجلس التنسيق الأعلى، في خطوة تأتي وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط على أمن الملاحة والتجارة والطاقة. 

ولا يقتصر الرهان على تعزيز قنوات التشاور السياسي، بل يمتد إلى قدرة المجلس على تحويل التفاهمات بين عمّان والرياض إلى برامج تعاون عملية تستجيب للتحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة.

ووقّع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان البروتوكول المعدل في الرياض الأربعاء، بهدف تحديث الهيكل التنظيمي للمجلس وتعزيز دوره في توسيع التعاون بين البلدين. 

ويرأس المجلس العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فيما يتولى وزيرا الخارجية رئاسة أمانته العامة، وتتولى وزارتا الخارجية متابعة أعماله واجتماعات لجانه وفرق العمل التابعة له.

ويحل المجلس، بعد تعديل هيكله، محل اللجنة الأردنية السعودية المشتركة، بما يوفر إطاراً مؤسسياً لتنسيق الملفات الثنائية ومتابعة تنفيذ المبادرات المشتركة. وتكمن أهمية الخطوة في قدرتها المحتملة على نقل العلاقات من مستوى الاتصالات السياسية المتكررة إلى آلية أكثر انتظاماً لتحديد الأولويات ومراجعة التقدم في تنفيذها، وإن كان أثر التعديل سيظل مرتبطاً بالقرارات التي ستصدر عن المجلس والبرامج التي ستترجم أهدافه إلى نتائج ملموسة.

ويأتي هذا التطور في لحظة إقليمية حساسة، إذ تصدرت الهجمات الحوثية على السعودية جانباً من مباحثات الصفدي وفيصل بن فرحان. وأكد الصفدي تضامن الأردن مع المملكة في مواجهة تلك الهجمات، ودعم الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها، كما أدان استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والاقتصادية.

وتجاوزت المباحثات الجانب الثنائي لتشمل جهود خفض التصعيد ومنع اتساع دائرة النزاعات، إلى جانب التشديد على احترام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. كما تناول الوزيران أهمية ضمان سلامة وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وهما ممران حيويان لحركة التجارة والطاقة العالمية.

ويعكس إدراج أمن الملاحة ضمن المباحثات إدراكاً للترابط بين التوترات الأمنية ومصالح الاقتصادين الأردني والسعودي. فاضطراب طرق الشحن أو ارتفاع كلفة التأمين والنقل يمكن أن ينعكس على حركة السلع وسلاسل الإمداد، كما أن اتساع المواجهات الإقليمية قد يفرض ضغوطاً إضافية على التجارة والاستثمار. ومع ذلك، فإن التنسيق السياسي لا يعني بالضرورة التوصل إلى ترتيبات أمنية مشتركة جديدة، إذ لم تعلن البيانات الرسمية عن اتفاق دفاعي أو التزامات عسكرية إضافية ضمن البروتوكول.

اقتصادياً، يستند التعاون بين البلدين إلى قاعدة قائمة من التجارة والاستثمارات. فقد تجاوز التبادل التجاري بينهما أربعة مليارات دولار خلال عام 2025، بما يعادل نحو 14 في المئة من إجمالي تجارة الأردن، لتصبح السعودية ثاني أكبر شريك تجاري للمملكة الأردنية. 

كما بلغت الاستثمارات السعودية في الأردن نحو 16 مليار دولار، موزعة على قطاعات تشمل النقل والسياحة والخدمات المالية والتجارة.

وتوفر هذه الأرقام مجالاً لتوسيع الشراكة، خصوصاً عبر تحسين بيئة الاستثمار وتسهيل حركة السلع والخدمات وتشجيع المشروعات المشتركة. لكن حجم التبادل والاستثمارات لا يضمن وحده تحقيق نمو إضافي؛ إذ يتطلب ذلك تحديد القطاعات ذات الأولوية، ومعالجة العوائق أمام الشركات، وتحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. 

وأشارت البيانات الرسمية أيضاً إلى ارتفاع عدد السياح السعوديين الذين زاروا الأردن بنحو 14 في المئة خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، بما يبرز إمكانات التعاون في السياحة والخدمات.

ويبرز قطاع الطاقة بدوره باعتباره مجالاً يستحق المتابعة في ضوء التطورات الإقليمية، سواء من زاوية أمن الإمدادات أو حماية طرق النقل والتجارة المرتبطة بها. 

غير أن الإعلان عن البروتوكول لم يتضمن تفاصيل عن اتفاقات جديدة في الطاقة، ولذلك يبقى توسيع التعاون في هذا المجال احتمالاً يرتبط بما ستقرره اللجان المختصة، لا نتيجة معلنة للتعديل الحالي.

وبالنسبة إلى عمّان، يوفر تعزيز التنسيق مع الرياض قناة إضافية للتشاور بشأن الأزمات الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية، فيما تمنح العلاقات التجارية والاستثمارية الطرفين مصلحة مشتركة في الحفاظ على الاستقرار وتطوير الروابط الاقتصادية. ويتيح الإطار الجديد متابعة هذه المصالح بصورة أكثر انتظاماً، لكنه لا يلغي اختلاف أولويات الدولتين أو الحاجة إلى معالجة كل ملف وفق متطلباته الخاصة.

وتتمثل الخطوة التالية في تحويل الهيكل المعدل إلى جدول عمل واضح، يتضمن أولويات محددة ومواعيد تنفيذ ومؤشرات لقياس التقدم في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والتعاون القطاعي. أما في الملفات الإقليمية، فسيبقى التنسيق السياسي والتشاور بشأن خفض التصعيد وحماية الملاحة جزءاً من اختبار قدرة البلدين على حماية مصالحهما وسط بيئة متقلبة.

وبذلك، يضع تعديل مجلس التنسيق الأعلى العلاقات الأردنية السعودية أمام فرصة لتعميق التعاون المؤسسي، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً عملياً: هل ينجح الطرفان في ترجمة التقارب السياسي إلى نتائج اقتصادية وتنموية ملموسة، مع تعزيز التنسيق حيال المخاطر الإقليمية؟ الإجابة ستتضح بقدر ما ينتقل المجلس من إعادة تنظيم آلياته إلى تنفيذ برامج محددة تتجاوز البيانات المشتركة.