جاءت مبادرة الشخصية القيادية السياسية والوطنية المتزنة، اللواء فرج سالمين البحسني، نائب رئيس المجلس الانتقالي، خلال الأسبوع الماضي، في وقت دقيق وحساس للغاية، وقد كانت أكثر تفصيلًا وشمولًا من تلك التي سبق أن طُرحت خلال الفترة الماضية.

ولعل واحدة من أهم النقاط التي تضمنتها المبادرة، أو يمكن تسميتها بالرؤية السياسية، هي تلك المتعلقة بضرورة الانتقال من العمل الجماهيري الشعبي الموصوف بالمليوني، والذي أخذ طابعًا منظمًا ومتكررًا، ويكاد يكون الوسيلة المفضلة المتبعة في ساحة العمل الوطني والفعل السياسي الميداني.
ولكن الأمر في واقع الحال ليس كذلك تمامًا، ولا يختزل كل أشكال ووسائل النضال الوطني الجنوبي الحاضر على ساحة الجنوب الوطنية منذ انطلاقة الحراك الجنوبي المبارك عام 2007.

غير أن الطابع المنتظم للمليونيات وتتابعها في أوقات زمنية متقاربة قد ازداد، وأصبح طاغيًا على ما عداه من الأنشطة والفعاليات الوطنية المنتظمة خلال الفترة الأخيرة، وبدعوات من قيادة المجلس الانتقالي.

وهي حالة فرضتها الظروف التي يعرفها الجميع، وأملتها الضرورة التي استدعت وتستدعي مثل هذه الدعوات للحشود الوطنية الكبرى التي يُطلق عليها صفة (المليونيات).

وهي، بكل تأكيد، وبغض النظر عن بعض الملاحظات بشأنها، تمثل ضرورة وطنية لا غنى عنها في هذه المرحلة التي تتطلب الرد الجماهيري الشعبي الأكثر حضورًا في الساحات والميادين؛ ففيها تُوجَّه الرسائل الوطنية إلى أكثر من جهة في وقت واحد.

وهي أيضًا تعبّر بوضوح كامل لا يقبل التجاهل عن الإرادة الوطنية الجنوبية، وتنعكس فيها وحدة وتماسك صفوفهم دفاعًا عن قضيتهم ومشروعهم الوطني.

وفوق هذا وذاك، فهي تحافظ على قوة الدفع لدى الناس، وتجعلهم في حالة حضور ويقظة واستعداد لمواجهة المؤامرات وفضح من يقف خلفها.

ولذلك، فإن البناء المؤسسي الشامل والعميق والمنظم والمحكوم برؤية استراتيجية ناضجة، والمستند إلى قواعد وضوابط عملية ومنهاجية، قد كان أمرًا مطلوبًا منذ زمن بعيد.

العمل المؤسسي ضرورة وطنية ينهض على أكتاف الإرادة الشعبية ويتحصن بها..ومن هذا المنطلق، فإن تفعيل العمل المؤسسي وشموله، بما يعنيه ذلك من وضع الأسس والقواعد الضرورية لبناء مؤسسات الدولة، وتهيئة كل الظروف اللازمة والممكنة لتحقيق هذا الهدف العظيم، لا يتعارض أبدًا مع جعل استمرار التحشيد الشعبي المليوني ضرورة ووسيلة وطنية عندما تستدعي الحاجة ذلك.

فلا قوة ولا ثبات ولا حضور فاعل لمختلف الهيئات والمؤسسات الوطنية الجنوبية ما لم تنهض على أكتاف الإرادة الوطنية، وتكن محمية بها ومحصنة بسياج الجماهير وتأييدها.

ولعله من المفيد التذكير بأن الميادين والساحات قد كانت وما زالت تمثل الفضاء المتبع لمختلف الحركات السياسية والوطنية عبر العالم؛ ففيها يُقاس حضورها، وتتجسد قوة فعلها، ويحالف النجاح تلك التي تستثمر ذلك في بناء هياكلها الوطنية الضرورية لتحقيق أهدافها.