> «الأيام» غرفة الأخبار:

  • القيادات الحوثية الظاهرة «كروت» لا تشكّل ثقلًا قياديًا
عند الاقتراب من الهيكل التنظيمي لميليشيات الحوثي، يصطدم المرء، عقب تخطي أسوار عدة، بهامش من الفراغ يحول دون التوصل إلى النواة الصلبة التي تحرّك الجماعة من الداخل وتمدّها بالأوامر العملياتية، دون أن تظهر على سطح الأحداث، حتى لدى صفوفها القيادية.

ويخطئ من يظن أن الشخصيات السياسية والاجتماعية الظاهرة، مثل متحدثها العسكري ورئيس ما يسمى المجلس السياسي الأعلى، ومن عيّنتهم على رأس المؤسسات المدنية والعسكرية، هم قوامها القيادي الفعلي.

وبحسب تقرير لصحيفة «اندبندنت عربية»، فإن الجماعة المنقلبة على الدولة عام 2014 تنتظم في هرم سلطوي لا يعرف العالم سوى أطرافه الظاهرة، التي تتحرك هنا وهناك ولا تشكّل ثقلاً قيادياً يُعتدّ به في مصير الحركة أو كيانها العقائدي، بينما تختبئ نواتها المركزية خلف طبقات تراتبية سميكة يصعب اختراقها.

ومع كل ما تحدثه الجماعة من حروب في الداخل ومع الجار السعودي، برزت إشكالات تتعلق بطبيعة الفهم الموضوعي للحركة المتمردة، مما راكم أعواماً طويلة من الإخفاق اليمني والدولي في التعامل معها.

وبتشريح بنيتها الرأسية التي يندرج تحتها القرار السياسي والعسكري لميليشيات حاربت الدولة منذ عام 2004، وقتلت من اليمنيين نحو 400 ألف إنسان، وفقاً لما أورده التقرير، تتضح فاتورة مكلفة لا تزال تسجل مزيداً من الضحايا لحظة بلحظة، في سبيل أحلامها التوسعية الحثيثة.

وبالتتبع التاريخي للتنظيم، الذي وفرته سلسلة من المصادر البحثية، يظهر «المجلس الجهادي» على قمة هرم مرجعيته القيادية السرية الأولى.

وتكشف الهالة التي تحيط به من السرية شيئاً من مكانته الرئيسة والمقدسة، التي تحرّك نحو 350 ألف مقاتل ميليشياوي، من بينهم فرق نخبة انتحارية، على عموم جبهات القتال والقطاعات الحربية، بموجب أوامره التي تضبطها مرجعياته الفكرية والسياسية المستمدة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يمثله أعضاء داخله.

وبعكس المجلس السياسي الأعلى للحركة، الذي يضم شخصيات ليست عقائدية بالضرورة، يفرض المجلس الجهادي ضوابط نوعية على أعضائه، تتجاوز الانضباط المهني والكفاءة إلى الولاء السلالي والأيديولوجي المطلق.

ويؤكد الباحث في الحركة الحوثية، منير العمري، وجود «هيكل ظلي يُعرف بـ"المجلس الجهادي"، يمثل السلطة العليا التي تتجاوز في صلاحياتها وخطورتها أي واجهة سياسية أو عسكرية معلنة وغير معلنة».

وهذا الكيان، وفقاً للعمري، «ليس مجرد غرفة عمليات عادية، إنما يجسد العقل المدبر والمرجعية الأولى التي تختزل القرار السيادي والعسكري لتخضعه مباشرة لإرادة الحرس الثوري الإيراني».

وفي تركيبته الداخلية، يتشكل المجلس من نخبة عقائدية وأمنية تجمع بين قادة إيرانيين ووجوه حوثية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمشروع الإيراني، وتتوزع مفاتيح القوة فيه عبر خريطة معقدة.

وبحسب العمري، تحظى «المرجعية الإيرانية المباشرة بالأولوية في إدارته»، إذ يبرز اسم «رضاء شهلائي»، القيادي البارز في الحرس الثوري الإيراني، بوصفه مهندساً رئيساً وموجهاً استراتيجياً للعمليات، إلى جانب شبكة من الخبراء التابعين له.

وفي ما يتعلق بالأذرع الأمنية والعقائدية، تضم طاولة المجلس، كما يكشف العمري، أسماء عدة تبدو غير مألوفة، منها «علي رمضاني، وحسن الحمران، وحميد بدر الدين»، وهم من يمسكون بملفات التطهير الداخلي والسيطرة الأمنية الصارمة وضبط الأداء الداخلي للحركة.

ويندرج تحت المجلس عدد من الواجهات القيادية والميدانية، التي تضم في «الجناح العسكري التقليدي» أسماء عدة، مثل محمد علي الحوثي، رئيس اللجنة الثورية والمسؤول الجماهيري داخلها، و«علي حسين الحوثي»، نجل مؤسس الجماعة، الذي برز خلال الأعوام الخمسة الماضية قائداً أمنياً وعسكرياً نافذاً، ويتولى قيادة جهاز «استخبارات الشرطة» المستحدث، ويشرف على عمليات القمع الداخلي وإدارة سلسلة من السجون السرية الخاصة.

ويضيف العمري شخصية أخرى تحاط بشيء من السرية، هي عبدالخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، والقائد العسكري الذي فرض عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات عام 2015 تحت الفصل السابع، لاتهامه بالمشاركة في تقويض السلام والأمن والاستقرار في اليمن. وشغل عبدالخالق مناصب عدة، منها قيادة المنطقة العسكرية المركزية في مناطق سيطرة الجماعة، إلى جانب عدد من قادة المناطق العسكرية والأجهزة الأمنية.

ويشير العمري إلى أن «القوة الصاروخية وسلاح المسيّرات يقودهما عملياً عبدالواحد أبو راس»، فيما تشير المعطيات إلى أن قيادة الدفاع الجوي والبحرية كانتا مرتبطتين بمحمد الغماري قبل مقتله، ليخلفه يوسف المداني واجهةً لإدارة منظومة يشرف عليها في الظل رئيس خفي، تُدار من غرف العمليات المشتركة بقيادة طهران.

ويكشف وزير الأوقاف والإرشاد السابق، الأمين العام للمجلس الأعلى لأبناء محافظة صعدة، محمد شبيبة، عن مجال نفوذ الكيان الجهادي في اليمن.

ويقول، خلال حديثه لـ«اندبندنت عربية»، إن قراراته نافذة وحاكمة، حتى على عبدالملك نفسه والجماعة بصورة عامة.

وشبيبة، المنتمي إلى محافظة صعدة والخبير بشؤون الحركة وأفرادها منذ نشأتها، يؤكد المعلومات التي تكشف عن طبيعة الهيكل البشري للمجلس، «المطعّم بأعضاء حوثيين شديدي الولاء لإيران، لكن قوامه الأكبر من القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية، عبر قادة من الحرس الثوري وآخرين لبنانيين».

ومن بينهم عناصر حوثية «تلقّت تدريباً مكثفاً على الصعيدين العسكري والفكري في إيران، والمجلس هو من يقرر الحرب أو يوقفها أو يرسم خريطتها وجغرافيتها».

فيما يُترك للقيادات الحوثية من خارج المجلس «تسيير الأمور اليومية والأعمال الإدارية والفنية، التي تتعلق بالبروتوكول اليومي في إدارة شؤون المواطنين فقط».