أيُّ وهمٍ أعظم من أن يطلب الإنسان العزة وقد أذلّ شعبه، والمجد وقد أضاع وطنه، وحسن الخاتمة وقد أثقل حياته بالمظالم، ثم ينتظر أن يبرّئه التاريخ وينجو من حساب الله؟
في اليمن، وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، تعاقبت السلطات والزعامات، وتغيّرت الشعارات، وبقي السؤال الذي يكشف حقيقة المسؤولية: من أين لك هذا؟ ماذا كنت قبل المنصب، وماذا أصبحت بعده، وماذا تركت لوطنك؟
لو خضعت ثروات المسؤولين وأسرهم وشركائهم لكشف مستقل وعادل، لانفضح جانب من أسباب فقر وطن اغتنى بعض القائمين عليه من معاناته، وحوّلوا الأمانة إلى غنيمة، والسلطة إلى ملكية، والحقوق إلى امتيازات.

ولم يكن الفساد فعل الحاكم وحده؛ بل شارك في استمراره من برّره، ومن صفّق له، ومن جعل الولاء للأشخاص فوق الحق، حتى غدا الظلم مقبولًا إذا صدر عن الحليف، ومرفوضًا إذا ارتكبه الخصم.

والأعجب أن العبرة لم تكن غائبة، بل كانت ماثلة في مصائر من سبقوا. فكم من صاحب سلطان انتهى إلى ذلّ، وكم من متجبّر عرف السجن أو المنفى، وكم من زعيم قُتل أو عاش ليرى انهيار نفوذه. ومع ذلك، ظل اللاحقون يكررون أخطاء السابقين، كأنهم خُلقوا خارج سنن الحياة.

وإذا كانت الدنيا قد أذاقت كثيرين مرارة السلطة حين تنقلب على أصحابها، فما أشد خسارة الظالم في الآخرة إن لقي الله محمّلًا بحقوق العباد دون توبة أو ردّ للمظالم؛ حيث الحساب أعظم، والعذاب أشد وأبقى، ولا تنفع حصانة ولا ثروة ولا جاه.

إن السلطة ليست طريقًا إلى الخلود، بل امتحان للأمانة، ولا تُقاس عظمة صاحبها بما جمع، وإنما بما عدل، وما حفظ من حقوق، وما ترك من كرامة وأمن وعدالة.

فمن لم يعتبر بمصائر من سبقوه، ولم يتعظ بما جرى له ولغيره، ثم انتظر المجد وحسن المصير، فذلك هو عشم إبليس في الجنة.

وأفدح الخسائر أن يظلم الإنسان ليملك الدنيا، ثم تفلت منه الدنيا، ويقف أمام ربه محمّلًا بما أخذ من حقوق الناس؛ فلا أبقى لنفسه عزًّا، ولا ترك لوطنه خيرًا، ولا قدّم لآخرته نجاة.